أخبار العالم

مؤشر 2026.. تراجع حرية الصحافة عالميا يغذي الاستبداد

  قدرة الصحفيين على العمل بأمان واستقلالية باتت مهددة على مستوى العالم، وفق  مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود“. تُعرّف المنظمة غير الحكومية التي تُصدر تقارير سنوية عن وضع الصحافة العالمية منذ عام 2002، حرية الصحافة على أنها تتمثل في “قدرة الصحفيين كأفراد وجماعات على اختيار وإنتاج ونشر الأخبار التي تخدم المصلحة العامة بشكل مستقل عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، وفي غياب أي تهديدات لسلامتهم الجسدية والعقلية”.

وتصنف منظمة مراسلون بلا حدود الآن بيئة حرية الصحافة بأنها “إشكالية” أو أسوأ في حوالي 75 في المائة من البلدان حول العالم. كما ​​وجدت المنظمة أن ظروف عمل وسائل الإعلام تتراوح بين “الصعبة” و”الخطيرة للغاية” في أكثر من نصف بلدان العالم.

وفي عام 2013، تم تصنيف أقل من ثلث جميع البلدان على أنها “صعبة” و”صعبة للغاية”، بينما تم تصنيف 71 في المائة على أنها “إشكالية” أو أسوأ.

تختلف حرية الصحافة باختلاف المناطق. إذ توجد أكثر الدول حرية بما فيها الدول الأربع الأولى:  النرويج، وإستونيا وهولندا والدانمارك  في أوروبا، بينما يواجه الصحفيون في أجزاء من أفريقيا وآسيا ظروف عمل قاسية. قد تكون التباينات داخل المناطق نفسها واضحة أيضاً.

ففي أوروبا، على سبيل المثال، يوجد اختلاف حاد بين المناطق الجنوبية والشرقية، حيث تتزايد التحديات التي تواجه حرية الصحافة، والمناطق الشمالية والغربية، حيث تُصنّف الدول عموماً بين “مرضية” و”جيدة”. وبالمثل، فإن الصحفيين من شمال أفريقيا عموماً أقل حرية من نظرائهم في المنطقة الجنوبية من القارة.

بولندا وسلوفاكيا تسلكان مسارات مختلفة

مثال آخر على الانقسام الإقليمي يظهر في قلب أوروبا. فقد أصبحت الصحافة في  بولندا  أكثر حرية، بينما تصاعدت العداوة تجاه وسائل الإعلام في  سلوفاكيا. لا يزال كلا البلدين مصنفين ضمن فئة “الوضع المرضي”، لكنهما يسيران في اتجاهين مختلفين تماماً عن بعضهما البعض.

وبحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، كانت نقطة التحول بالنسبة لبولندا هي تغيير الحكومة. فبعد إطاحة حزب القانون والعدالة، الذي عارض الإجهاض وحقوق مجتمع الميم ودعم سياسات  مناهضة للهجرة، من السلطة في أواخر عام 2023، خففت الحكومة الجديدة من حدة الهجمات اللفظية والإجراءات القضائية ضد الصحافة.

كما شكلت  الانتخابات  التي جرت في العام ذاته نقطة تحول في سلوفاكيا، حيث بدأ روبرت فيكو ولايته الرابعة كرئيس للوزراء في عام 2023 بعد سنوات قضاها في المعارضة. في هذا السياق يقول لوكاس ديكو، رئيس تحرير مركز “يان كوتشياك” الاستقصائي، وهي مؤسسة إخبارية مستقلة سميت على اسم صحفي قُتل خلال ولاية فيكو الثالثة: “لديه مسيرة مهنية طويلة، وكانت روايته دائماً أن الصحفيين هم أعداؤه”.

رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو - صورة بتاريخ 14 مارس 2018
تصاعدت الهجمات اللفظية على الصحفيين منذ إعادة انتخاب روبرت فيكو.صورة من: Vladimir Simicek/AFP/Getty Images

الجريمة المنظمة وشركات مرتبة بحزب فيكو

كان كوتشياك يحقق في صلات بين جماعات الجريمة المنظمة وشركات في  سلوفاكيا  مرتبطة بأعضاء في حزب فيكو الحاكم. ورغم أن اغتيال كوتشياك أدى إلى موجة من الاحتجاجات المناهضة للفساد ساهمت في إسقاط حكومة فيكو عام 2018، قال ديكو إن الاعتداءات على  الصحافة  تصاعدت منذ عودة رئيس الوزراء إلى منصبه.

وأضاف بالقول: “الأمر خارج عن السيطرة تماماً”. وتابع ديكو إن الخوف الناجم عن مقتل صحفي شاب والخطاب الرسمي العدائي قد ثبّط عزيمة الكثيرين عن العمل في مجال الصحافة. ​​وأوضح بالقول: “لم يعد الكثير من الشباب يرغبون في أن يصبحوا صحفيين. لا يزال مقتل كوتشياك رادعًا لهم، لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون التعرض لهجمات لفظية يومية”.

مهاجمة الصحافة كاستراتيجية سياسية

 

الأرجنتين  دولة أخرى تراجعت بشكل حاد في المؤشر. ويقول المدافعون عن حقوق الإعلام إن حملات التشويه المناهضة للصحافة التي يشنها الرئيس خافيير ميلي، الذي تُفضّل سياساته اليمينية المتشددة الحريات المالية على كل شيء، قد خلقت مناخًا عدائيًا للصحفيين. وهو كثيرًا ما يستخدم  وسائل التواصل الاجتماعي  لمهاجمة منتقديه، ويدّعي أن الصحفيين “ليسوا مكروهين بما فيه الكفاية”.

قال فرناندو ستانيتش، رئيس منظمة FOPEA، وهي منظمة تدافع عن حرية التعبير وتعزز الصحافة الجيدة في الأرجنتين: “عندما يهين ميلي صحفياً، فإنه لا يفعل ذلك بصفته ميلي الخبير الاقتصادي، أو ميلي المواطن العادي، بل يفعل ذلك بصفته الممثل الرئيسي للدولة الأرجنتينية”.

وقال ستانيتش إن الحكومات الأرجنتينية السابقة كانت معادية للصحافة، فقد دخلت كريستينا كيرشنر البيرونية في مناوشات متكررة مع وسائل الإعلام كرئيسة من عام 2007 حتى 2015، ولكن وفقًا لرصد منظمة FOPEA، فإن المستوى الحالي للهجمات اللفظية على الصحفيين غير مسبوق.

على غرار ميلي الأرجنتيني وفيكو السلوفاكي، قام الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب  بإهانة وتهديد الصحافة منذ حملته الأولى للترشح للرئاسة في عام 2016. ومن المصادفة أن الولايات المتحدة شهدت أيضًا انخفاضًا كبيرًا في ترتيبها في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، إلى جانب دول أخرى يتبع قادتها نفس النهج، مثل السلفادور.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة بتاريخ 29 أكتوبر 2025
عُرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمعاملته السيئة للصحفيين.صورة من: Mark Schiefelbein/AP/picture alliance

وتُظهر الأرجنتين وسلوفاكيا والولايات المتحدة  كيف يمكن للدول التي تُعتبر مستقرة وديمقراطية نسبياً أن تتحول بسرعة إلى دول معادية للصحفيين. فالصحافة لم تكن حرة قط في إريتريا والصين  وكوريا الشمالية وإيران  التي تحكمها منذ زمن طويل أنظمة استبدادية تُكمّم أفواه الصحفيين المستقلين.

بحسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، فإن “النزاع المسلح هو السبب الرئيسي لتراجع حرية الصحافة”، كما هو الحال في  العراق والسودان  وجنوب السودان  واليمن. ويشير التقرير إلى أنه منذ أن شنت إسرائيل حربها على  غزة  عقب الهجمات الإرهابية التي قادتها حماس عام 2023، قُتل أكثر من 220 صحفياً على يد الجيش الإسرائيلي، من بينهم 70 على الأقل أثناء تأدية عملهم. يذكر أن العديد من الدول الغربية والاتحاد الأوروبي تصنف حماس كمنظمة إرهابية.

شبكات لحراسة حرية الصحافة

أوضحت فيرا سلافتشيفا-بيتكوفا، الأستاذة في قسم الاتصال والإعلام بجامعة ليفربول، أن التهديدات المجتمعية لحرية الصحافة تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية. ويُعدّ استخدام الهياكل السياسية لترهيب الصحفيين أو إيذائهم – بما في ذلك الاعتداءات اللفظية من قبل المسؤولين الحكوميين والتهديدات بالعنف والسجن – المؤشر الأبرز على تراجع حرية الصحافة. ​​إلا أن هناك أيضاً عوامل مجتمعية أخرى، مثل استهداف الصحفيين بسبب جنسهم أو عرقهم أو ميولهم الجنسية، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن سوق العمل الإعلامي غير المستقر، والتي قد تُقيّد حرية الصحافة.

وقالت سلافتشيفا-بيتكوفا إن الصحفيين يستطيعون مواجهة هذه التحديات بالتكاتف والتعاون مع المنظمات التي تشاركهم قيمهم، بما في ذلك نشطاء  حقوق الإنسان والأكاديميون. وأضافت: “من المهم أن يعرف الصحفيون أن هناك من يمكنهم الاعتماد عليه للحصول على الدعم. فعندما يفتقرون إلى ذلك، ولا يعرفون لمن يلجؤون طلبًا للمساعدة، يشعرون أن ما يمرون به قد يكون خطأهم”.

مع عمل معظم الصحفيين في جميع أنحاء العالم الآن في ظروف إشكالية في أحسن الأحوال، كما يوضح مؤشر حرية الصحافة العالمي لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026، فمن المرجح أن تكتسب هذه الشبكات أهمية متزايدة في السنوات المقبلة، سواء داخل البلدان أو على الصعيد الدولي. وتُعدّ جنوب أفريقيا مثالاً على دولة يبدو أن هذه الاستراتيجيات تُؤتي ثمارها فيها. فهي تتميز عن جيرانها الإقليميين في مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”. وقد حافظت البلاد على تصنيفها “المُرضي” منذ عام 2013، مما أدى إلى صعودها المطرد في التصنيف بينما تراجعت دول أخرى.

حرية الصحافة في خطر

To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video

وقالت غليندا دانيلز، الصحفية وأستاذة الدراسات الإعلامية في  جامعة “ويتس” بجوهانسبرغ، إن وجود مجتمع مدني قوي ساعد  جنوب أفريقيا على الحفاظ على مكانتها في ظل تراجع حرية الصحافة عالميًا. وعلى الرغم من التحديات المشتركة التي يواجهها الصحفيون في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك التحيزات والتهديدات التي تتعرض لها النساء في وسائل الإعلام، وانكماش سوق العمل، أكدت دانيلز أن الشبكات القوية ساهمت في الحفاظ على حرية الصحافة في جنوب أفريقيا.

تشغل دانيلز نفسها منصب الأمين العام لمنتدى المحررين الوطنيين في جنوب إفريقيا (SANEF)، الذي يدافع عن حق الصحفيين في ممارسة عملهم. وقالت: “يتميز منتدى المحررين الوطنيين في جنوب إفريقيا (SANEF) بنشاطه وتأثيره الكبيرين. ومن المهم وجود نهج قوي للمجتمع المدني، وجهود المناصرة، والنشاط المدني”.

أعدته للعربية: إيمان ملوك

 تحرير: عماد غانم


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى