أخبار العالم

إحياء ذكرى تحرير معتقل بوخنفالد النازي وتحذير من “النسيان”

هابي كيركلينغ يروي عن جده هيرمان كيركلينغ أنَّه “لم يكن رجلًا كثير الكلام، بل رجل أفعال. نجار من مدينة ريكلينغهاوزن كان يعرف كيف ينجز عمله”.

هابي كيركلينغ – اسم يعرفه تقريبًا كل شخص في ألمانيا؛ عمره 61 عامًا، وهو ممثل كوميدي ومؤلف ومقدّم برامج تلفزيونية وممثل، يستمتع الجمهور في العديد من أدواره. تعرض حاليًا دور السينما الألمانية فيلمين من بطولته. وصدر له في عام 2006 كتاب بعنوان “سأرحل الآن”، يتناول فيه الرحلة على طريق سانتياغو دي كومبوستيلا، وتمت ترجمته إلى عدة لغات مثل الإنكليزية والإسبانية والبولندية واليابانية.

ولكن في يوم الأحد البارد هذا (12 أبريل/نيسان 2026)، لم يؤدي كيركلينغ أي دور من أدواره المعتادة. بل كان يقف في ساحة الاستدعاء والتسجيل في معسكر اعتقال بوخنفالد النازي السابق، الذي يقع على جبل إيترسبيرغ بالقرب من مدينة فايمار، في قلب ولاية تورينغن. لقد وقف وتحدث هناك “ليس كشخص مشهور، بل كحفيد أحد الناجين” من الهولوكوست.

لقد نجا جَدُّه النجار الكاثوليكي الشيوعي هيرمان كيركلينغ من هذا المعسكر، الذي قُتل فيه نحو 56 ألف معتقل أو ماتوا حتى شهر نيسان/أبريل 1945 بسبب التعذيب أو القتل، وبسبب الإرهاق أو اليأس. لقد قام الجد هيرمان، كما يروي حفيده هابي، “بتوزيع منشورات معارضة لهتلر مباشرة بعد ما يسميه النازيون استيلاء على السلطة في عام 1933″. وقد كلّفه ذلك اثنتي عشرة سنة من حياته.

ألمانيا، فايمار - نصب بوخنفالد التذكاري
النصب التذكاري معسكر الاعتقال النازي بوخنفالد – مكان للتذكيرصورة من: Strack

بوخنفالد.. الجحيم

معسكر بوخنفالد كان جحيمًا خلال الحقبة النازية، نارًا من جحيم تلك السنين. اعتقل النازيون من سنة 1937 حتى سنة 1945 في بوخنفالد آلاف الأشخاص: من بينهم معارضون سياسيون وشيوعيون ومثليون ومعتقلون أجانب ويهود وغجر وشهود يهوه والعديد من رجال الدين وممثلي الكنيسة المرفوضين. لقد عانى أكثر من 250 ألف معتقل في نظام معسكر بوخنفالد، الذي كان يشمل معسكر الاعتقال على جبل إيترسبرغ وأكثر من 50 معسكرًا فرعيًا صغيرًا – كان معظمها في مواقع الإنتاج الضرورية للحرب.

وعندما كانت أولى دبابات الجيش الأمريكي تقترب من معسكر الاعتقال في 11 نيسان/أبريل 1945، انتفض السجناء المنظمون جيدًا وأسروا عشرات الجنود الهاربين والتابعين لقوات الحماية النازية إس إس. ولذلك فقد دار الحديث خلال إحياء ذكرى بوخنفالد أيضًا حول “التحرير والتحرير الذاتي”.

حضر الذكرى الحادية والثمانين لتحرير معسكر بوخنفالد معتقلان سابقان: ألويزي ماسياك (98 عامًا) من بولندا، وأندريه مويسينكو (99 عامًا) من بيلاروسيا. رجلان مسنان يرتدي كل منهما حتى الآن قبعة الاعتقال. بيد أنَّ العديد من الناجين الآخرين لم يتمكنوا من السفر من إسرائيل بسبب تعليق الرحلات الجوية.

وشارك في ذكرى التحرير السبعين في عام 2015 نحو 80 ناجيًا. وكان عددهم 15 ناجيًا في الذكرى الثمانين في عام 2015. والآن اثنان فقط. ولكنهما لم يتحدثا. ولعل هذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي لم يتحدث فيها أي شخص من الناجين.

تزايد استغلال ذكرى تحرير بوخنفالد

وفي هذا العام 2026، طغت على إحياء ذكرى التحرير في بوخنفالد عدة جوانب. ووصف ذلك مدير النصب التذكاري ينس-كريستيان فاغنر بعبارات مريرة خلال كلمته الترحيبية قائلًا: “مع تناقص عدد الناجين من الإرهاب النازي، الذين يمكنهم الدفاع عن أنفسهم، يزداد سوء استخدام النصب التذكارية وثقافة التذكر كمسرح لصراعات سياسية حالية تسعى لأهداف خاصة ومحاولات الترويج الذاتي”.

كي لا ننسى! الحفاظ على ثقافة التذكر

To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video

وضمن هذا السياق أعرب فاغنر عن أسفه لمهاجمة المتطرفين اليمينيين ثقافة التذكر وتشويهها بوصفها “عبادة شعور بالذنب”. وقال: “على الرغم من ذلك أو ربما أيضًا لهذا السبب بالذات” يحصل المتطرفون اليمينيون على نسبة تصل إلى 40 بالمائة من أصوات الناخبين في ولاية تورينغن. إذ لا توجد ولاية ألمانية أخرى يتمتع فيها حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD)، الذي تصنف السلطات بعض أجنحته على أنَّها يمينية متطرفة، بمثل هذا القدر من القوة كما في هذه المنطقة.

ولكن فاغنر أعرب عن أسفه أيضًا بسبب تأثير النزاعات في الشرق الأوسط على ذكرى تحرير بوخنفالد. وقال إنَّ هناك “جماعات يسارية سلطوية، وبعضها أيضًا معادية للسامية، سعت إلى استغلال هذا اليوم لأغراض سياسية حالية”. ومثلًا لقد خططت “مبادرة كوفيات” لإقامة وقفة حداد على ضحايا الحرب في غزة عند نصب بوخنفالد التذكاري، على الرغم من حظر هذه الفعالية بقرار صدر من المحكمة قبل ذلك بأيام.

ألمانيا، فايمار 2026 - الذكرى السنوية الـ81 لتحرير معسكر اعتقال بوخنفالد
وزير الدولة للثقافة فولفرام فايمر خلال كلمته التذكاريةصورة من: M. Gränzdörfer/Geisler-Fotopress/picture alliance

انتشار أمني وإجراءات مشددة 

ومع ذلك فقد ألقى الخوف من الاحتجاجات بظلاله على فعالية يوم ذكرى تحرير معسكر بوخنفال هذا العام. وكانت تقف في الصباح أكثر من 15 سيارة شرطة حول محطة قطارات فايمار. وكانت توجد في ساحة المحطة مجموعات من رجال أمن يعاينون المتظاهرين المعارضين المحتملين ويتحققون من هوية الأشخاص الذين يستقلون الحافلات المتجهة إلى النصب التذكاري. وحتى أنَّ هناك سيارة شرطة بضوء أزرق وامض وإشارة “توقَّف” قد أوقفت إحدى الحافلات المكتظة بالركاب في منتصف طريقها بسبب وجود شيء ما مثير للشك. وكانت سيارات الشرطة متواجدة باستمرار حول النصب التذكاري.

ولذلك فقد دعا مدير النصب التذكاري، فاغنر “جميع الحضور إلى عدم تعطيل إحياءَ الذكرى”. وقد تجمع مئات، وربما ألف شخص، حول المنصة والخيمة الخاصة بالضيوف الرسميين.

ومع ذلك فقد وقعت بعض الاضطرابات. إذ حضر وزير الدولة للثقافة، فولفرام فايمر (مستقل)، إلى بوخنفالد بصفته ممثلًا للحكومة الاتحادية. ويشمل عمله مسؤوليات من بينها تمويل المواقع التذكارية الخاصة بإحياء ذكرى الديكتاتورية النازية، ومظالم نظام حزب الوحدة الاشتراكي الألماني (إس إيه دي) الذي كان حاكما في ألمانيا الشرقية سابقا. وقد عارض حضوره رؤساء جمعيتين لأقارب المعتقلين السياسيين السابقين في معسكر بوخنفالد. وبرّروا ذلك بكونه قد استبعد مؤخرًا ثلاث مكتبات يسارية من مسابقة مع إشارته إلى “استنتاجات تتعلق بحماية الدستور”. بينما عبّر فاغنر عن تأييده خطاب فولفرام فايمر.

ألمانيا، بوخنفالد - احتجاجات خلال الذكرى السنوية لتحرير معسكر اعتقال بوخنفالد
تذكير بأهوال النازية واحتجاجات خلال حفل ذكرى تحرير معسكر الاعتقال النازي بوخنفالدصورة من: Christoph Strack/DW

هتافات استهجان ضد وزير الدولة للشؤون الثقافية

وحتى عند ترحيب فاغنر بوزير الدولة، ارتفعت هتافات استهجان معارضة من الجمهور. وعند صعود فايمر إلى المنصة، انطلقت من كتلة يسارية، كانت ترفرف فوقها أعلام “رابطة ضحايا النظام النازي” (VVN)، أصوات تهتف بهتاف “تحذير من للفاشية” وأحيانًا بهتاف “فاشي”.

ولكن فولفرام فايمر تحدث نحو اثنتي عشرة دقيقة. وطلب في البداية المحافظة على “حرمة هذا المكان”. ثم توجه في خاطبه إلى الرجلين الناجيين من معسكر الاعتقال، معربًا عن أسفه لهذا “التطور غير المقبول”، والذي يتمثل في تزايد الاضطرابات والتهديدات في مواقع النصب التذكارية. وقال إنَّ هذا بات يجبر نصب بوخنفالد التذكاري على إنفاق أكثر من عشرة بالمائة من ميزانيته على إجراءات الأمن والسلامة. وخلال كل خطابه تقريبا، كان مشاغبون ينشدون “إلى الأمام ولا تنسَ” (جملة من نشيد التضامن) أو “يا بوخنفالد، أنا لا يمكنني نسيانك، لأنك قدري”، وهو مقطع من “نشيد بوخنفالد” الذي نشأ في المعسكر سنة 1938 (غناه ولحنه إرنست بوش).

وفي وقت لاحق، عبّر ينس-كريستيان فاغنر عن غضبه للصحفيين، وقال إنَّ هذا عمل “مخزٍ” و”لا يُطاق”، لا سيما وأنَّ المشاغبين كانوا في أوج صخبهم عندما خاطب فايمر الرجلين الناجيين. وأضاف أنَّ من حق ممثل عن الحكومة الاتحادية الحديث في هذه المناسبة. ووصف فاغنر مقاطعة سياسي يمثل المعسكر الديمقراطي بأنها “رسالة سياسية خاطئة”.

“معجزة النجاة من وسط الجنون”

واختتم الوزير فايمر كلمته بانتقاله إلى هابي كيركلينغ، وشكره – كما قال – لأحد أبرز الأشخاص العاملين في مجال الثقافية في ألمانيا. وخطاب كيركلينغ يعيدنا إلى أهوال هذا المكان – إلى ذكريات جَدٍّ عن ماضيه يرويها حفيده: “في الثاني من تموز/يوليو سنة 1942، تحوّل إلى رقم 6117… هنا في بوخنفالد تعرّض للتعذيب والإذلال وأصبح شاهدًا على جرائم قتل لا حصر لها. ونجاته من هذا الجنون معجزة”.

ألمانيا، فايمار - النصب التذكاري بوخنفالد
أكاليل تذكارية حول اللوحة الأرضية (الظاهرة في أعلى اليمين)، التي تشكل النصب التذكاري الرئيسي في ساحة الاستدعاء والتسجيل في بوخنفالدصورة من: Strack

وهذه الكلمات جسّدت ما حدث هنا في هذا المكان لأكثر من 250 ألف معتقل: جميع أشكال المعاناة وجميع أشكال اللاإنسانية. وصف هابي كيركلينغ من تجربتة العائلية صمتَ جَدِّه أيضًا، بقوله: “صمت ثقيل. هذا الصمت المدوي كان مثل جدار من زجاج يحيط بروحه”. ثم انتقل المثقف هابي كيركلينغ للتعبير عن معارضته النسيان والشعبوية اليمينية، بكلمات تبدو وكأنَّها خطاب مُعدّ للكتب المدرسية، كلمات تحدث بها هنا حفيد حزين.

وتلت ذلك دقيقة صمت. ثم إحياء ذكرى قَسَم بوخنفالد التقليدي، أي قسم الناجين من الهولوكوست على استئصال “الفاشية من جذورها” وبناء “عالم جديد يسوده السلام والحرية”.

وبعد ذلك بقليل قام وزير الدولة للثقافة وكذلك جمعيات الضحايا بوضع خمسين إكليلًا تذكاريًا بشكل منظم في الموقع التاريخي. وبهذا انتهى حفل إحياء الذكرى الرسمي. بينما كان ما يزال يتجوّل في المكان أفراد أو مجموعات صغيرة من أشخاص كانوا يضعون الورود هنا وهناك، ويتوقَّفون لأحياء ذكرى بعض مجموعات الضحايا. وحتى في هذا الأحد الضبابي كان المنظر ممتدًا لمسافة بعيدة. وكان الجو باردًا على جبل إيترسبيرغ. بارد.

تشير الساعة القديمة الموجودة في البرج فوق مبنى مدخل المعسكر إلى الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة مساءً. وعقاربها متوقفة دائمًا عند الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة مساءً. في ذلك الوقت يوم 11 نيسان/أبريل سنة 1945، تم تحرير معسكر العتقال. وفي ذلك الوقت انتهى الجحيم. ومع ذلك فهو لا يتوقف أبدًا بطريقة ما.

أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م)


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى