خرائط تشعل الخليج.. جذور النزاع الحدودي بين العراق والكويت

عاد الخلاف الحدودي بين العراق والكويت إلى الواجهة مرة أخرى بعد أن قدم العراق مؤخرا خريطة وإحداثيات جغرافية إلى الأمم المتحدة لتحديد ما يقول إنها مناطق عراقية في مياه الخليج، وهي مناطق تقول الكويت إنها تمثل تعديا على أراضيها.
وعلى الرغم من تحسن العلاقات بين البلدين منذ الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003، الذي غزا الكويت عام 1990، فإن حدودهما البحرية، خاصة في منطقة خور عبد الله، ما زالت تمثل سببا دائما للتوتر بين الجارتين.
خور عبد الله.. محور مهم للعراق والكويت
تتركز الخلافات البحرية بين العراق والكويت حول منطقة خور عبد الله، الواقعة بين شبه جزيرة الفاو العراقية وجزيرتي بوبيان ووربة التابعتين لدولة الكويت.
ولا يمكن النظر إلى خور عبد الله باعتباره منطقة عادية، بل يمثل ممرا بحريا محوريا من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية لكل من العراق والكويت، بسبب دوره الحيوي في حركة الملاحة البحرية.
بالنسبة للعراق، يمثل خور عبد الله المنفذ البحري الأساسي للسفن المتجهة إلى ميناء أم قصر. وفي ضوء ذلك، يمنح خور عبد الله العراق أهمية قصوى بالنظر إلى محدودية منافذه البحرية على الخليج، خاصة مع اعتماد بغداد بصورة كبيرة على هذا الممر لضمان استمرارية النشاط التجاري ودخول الواردات الحيوية.
أما بالنسبة للكويت، فيشكل خور عبد الله ممر العبور الرئيسي للسفن المتجهة إلى ميناء مبارك الكبير، الذي شرعت الكويت في إنشائه عام 2011. وترى الكويت أن الحفاظ على حرية وانسيابية الملاحة في هذا الممر يمثل عنصرا أساسيا في خططها التنموية ومشاريعها الاستراتيجية في شمال البلاد.
وفي تقرير موسع، قال المجلس الأطلسيإن الخلاف بشأن منطقة خور عبد الله يؤثر على مشاريع التنمية الإقليمية، خصوصا ميناء الفاو الكبير ومشروع طريق التنمية في العراق، اللذين يهدفان إلى جعل العراق مركزا لوجستيا يربط الخليج بأوروبا.
وأضاف التقرير أن العراقيين يرون أن ميناء مبارك الكبير الكويتي، وهو جزء من رؤية الكويت 2035 ومبادرة “الحزام والطريق” الصينية، يقيد الوصول البحري ويهدد جدوى مشاريعهم. لكن في المقابل، يؤكد المسؤولون الكويتيون أنه يكمل ولا يعرقل جهود تعزيز الترابط التجاري الإقليمي.
خور عبد الله.. خلاف يعود إلى الدولة العثمانية
يعود الجدل حول منطقة خور عبد الله إلى بدايات القرن العشرين، حين كانت الكويت خاضعة للحماية البريطانية بموجب اتفاقية عام 1899. وفي تلك الفترة، بدأت محاولات رسم الحدود بين الكويت والمناطق التي كانت تحت الإدارة العثمانية، بما في ذلك العراق.
وفي عام 1913، توصلت كل من بريطانيا والدولة العثمانية إلى اتفاق عُرف باسم الاتفاقية العثمانية البريطانية أو ما تُعرف بـ “المعاهدة الأنجلو-العثمانية”، تضمن خطوطا أولية لترسيم الحدود بين العراق والكويت، بحسب كتاب نشرته جامعة كامبريدغ.
لكن هذا الاتفاق لم يُنفذ عمليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، ما أبقى بعض المناطق ومنها خور عبد الله دون حسم نهائي. وفي عام 1922، جاءت اتفاقية العقير لتضع إطارا جديدا للحدود البرية بين الطرفين، لكنها لم تُنه الإشكالات المتعلقة بالممر البحري، بحسب موسوعة “بريتانيكا”.
ومع حلول عام 1932، قام رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري السعيد بتحديد الحدود مع الكويت في مراسلات رسمية مع المندوب السامي البريطاني، بحسب صحف ارشيفية غربية.
وفي عام 1963، اعترف العراق رسميا بهذه الحدود، ليصبح ذلك الأساس القانوني الذي استندت إليه العلاقات الحدودية بين البلدين لاحقا. ومع ذلك، ظل الخلاف حول خور عبد الله قائماً مثلما كان في الاتفاقيات السابقة.
ما بعد الغزو العراقي
بعد غزو العراق للكويت، أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 773 عام 1992، الذي أيد تشكيل لجنة مختصة بترسيم الحدود بين البلدين.
وبعد عام واحد، اعتمد مجلس الأمن القرار 833، الذي ثبّت الحدود وفقا لتوصيات تلك اللجنة. ومع ذلك، لم تُحسم بعض الترتيبات التنفيذية والإدارية المتعلقة بتنظيم حركة الملاحة في خور عبد الله.
وفي عام 2003، استأنف العراق والكويت علاقاتهما الدبلوماسية بعد سقوط نظام صدام حسين. ولاحقا، وقع البلدان في عام 2012 اتفاقية لتنظيم الملاحة في خور عبد الله، صادق عليها العراق عام 2013، ثم أُودعت لدى الأمم المتحدة.
وفي أبريل/نيسان 2012، توصلت الكويت والعراق إلى اتفاقية تحمل اسم “اتفاقية خور عبد الله”، تهدف إلى تنظيم الملاحة البحرية وضمان مصالح الطرفين، وجرى التصديق عليها في بغداد في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2013.
لكن بعد نحو عشر سنوات، وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2023، قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله، مشيرة إلى أن عملية المصادقة لم تتم وفقا للدستور العراقي الذي يفرض موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على المعاهدات الدولية في حين حصلت الاتفاقية حينها على الأغلبية البسيطة فقط.
ما الحل الممكن؟
ويرى تقرير المجلس الأطلسي أنه إذا رفض البرلمان العراقي التصديق على الاتفاقية، فلا بد من إيجاد حل دائم وقابل للتنفيذ. المفتر وأضاف أن هذا الحل يجب أن يقوم على إعادة الانخراط بين الطرفين، ويرتكز على العدالة والمصالح الاقتصادية المشتركة واحترام القانون الدولي والدستور.
وأشار التقرير إلى أنه إذا قرر العراق و الكويت حل نزاعهما عبر محكمة العدل الدولية ، فإن قضية ترسيم الحدود البحرية بين قطر والبحرين تشكل سابقة مهمة للغاية لحل النزاعات البحرية في الخليج بالطرق السلمية.
ويخلص التقرير إلى أن نزاع خور عبد الله يتجاوز كونه خلافا تقنيا حول الحدود البحرية، إذ يمكن للعراق والكويت تحويل هذا النزاع الشائك إلى نموذج للدبلوماسية الإقليمية واحترام النظام القانوني الدولي، مع إظهار التزام واضح بالقانون والهيئات القضائية الدولية.
تحرير: عبده جميل المخلافي
Source link



