قانون الأسرة الجديد في مصر.. إصلاح تاريخي أم قنبلة اجتماعية؟

تتصاعد في مصر خلال الفترة الأخيرة حالة واسعة من الجدل حول مشروع قانون الأسرة والأحوال الشخصية الجديد، الذي يُعد من أكبر التعديلات التشريعية في هذا الملف منذ عقود، فالمشروع الذي ينتظر إقراره بعد مناقشاته داخل البرلمان خلال 2026، لا يقتصر على تحديث نصوص قانونية قديمة، بل يعيد رسم ملامح العلاقة الأسرية في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة.
ويؤكد وزير العدل محمود حلمي الشريف أن الهدف الأساسي من المشروع هو “تبسيط الإجراءات، والحد من النزاعات الأسرية، وتعزيز التسويات الودية”، في محاولة لمعالجة أوجه القصور في القوانين الحالية.
توحيد القوانين .. خطوة إصلاح أم تحدٍ معقد؟
وبحسب ما أورد موقع “المشهد”، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون موحد للأسرة يضم نحو 355 مادة، ويجمع خمسة قوانين متفرقة يعود بعضها لأكثر من قرن في نص تشريعي واحد.
وتحاول الحكومة من خلال هذه الخطوة إنهاء التشتت القانوني، وتسهيل إجراءات التقاضي، وهو ما أشار إليه أيضًا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الذي أكد أن الحكومة “منفتحة تمامًا” على أي تعديلات يطرحها البرلمان.
لكن مدبولي نفسه أقر بـ” حساسية المشروع”، موضحًا أن صياغته ليست نهائية، وأن تشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة والبرلمان بات ضرورة، لأن “هذا القانون يمس كل الأسر المصرية”.
المسلمون والمسيحيون .. إطار واحد ومساران مختلفان
من أبرز القضايا المرتبطة بالقانون الجديد موقع المسيحيين منه. فبينما سيخضع المسلمون لأحكام القانون الجديد، تعمل الدولة بالتوازي على إعداد قانون خاص بالأحوال الشخصية للمسيحيين، يراعي عقيدتهم الدينية، خاصة في مسائل الزواج والطلاق.
ويستند هذا الفصل إلى نص دستوري يمنح المسيحيين حق الاحتكام إلى شرائعهم، مع بقاء بعض الجوانب مثل إجراءات التقاضي والنفقة ومصلحة الطفل، موحدة بين الجميع، مسيحيين ومسلمين.
تغييرات جوهرية من الحضانة إلى الطلاق
يحمل المشروع مجموعة من التعديلات التي قد تُحدث تحولًا كبيرًا في البنية الأسرية. وتعد مسألة حضانة الطفل من أهم نقاط القانون الجديد وقد أثارت جدلا واسعا. وتنص على أن الأم في المرتبة الأولى للحضانة يليها مباشرة الأب، مع استمرار الحضانة حتى سن 15 عامًا، ثم يُخيَّر الطفل بعد ذلك.
كما يُنظم المشروع الجديد حق الرؤية بشكل أكثر دقة، مع إدخال نظام “الاستزارة” (اصطحاب الطفل وربما المبيت) وإتاحة الرؤية الإلكترونية في بعض الحالات.
وفيما يخص الخطبة، تُعتبر وعدًا بالزواج لا عقدًا قانونيًا، مع تنظيم استرداد الشبكة والهدايا في حالة فسخ الخطبة. أما الزواج، فيتضمن إضافة ملحق يتيح للزوجين وضع شروط مثل العمل أو السكن، بينما يُلزم توثيق الطلاق خلال 15 يومًا، وإلا قد تحدث عقوبات. ويحاول تشجيع الصلح وإدخال حكمين للإصلاح من أجل تقليل الطلاق السريع. كما ينظم الطلاق الشفهي والحد من آثاره القانونية إذا لم يوثق.
وتعد مواد فسخ الزواج في مسودة القانون الجديد من أكثر البنود إثارة للجدل: فطبقا لتلك المواد يحق للزوجة فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر من إتمامه في حالات معينة إذا ثبت وجود “خداع” أو “تدليس”.
أما موضوع النفقة وهو من الموضوعات المهمة فيلزم القانون الجديد رفع جميع دعاوى النفقة والمصاريف في قضية واحدة بدل عدة قضايا. وتقوم النيابة العامة بالتحقق من الدخل الحقيقي للزوج لتحديد النفقة. ويستمر إعفاء قضايا النفقة من الرسوم القضائية.
إجرائيًا، يستحدث القانون إدارات لتنفيذ أحكام الأسرة وتسريع الفصل في القضايا، مع توحيدها أمام محكمة واحدة. كما يتضمن بنودًا جديدة مثل وثيقة تأمين للزوجة، وإدخال لغة الإشارة في العقود، والتوعية قبل الزواج بمخاطر الطلاق.
زواج للتجربة؟
رغم الطابع الإصلاحي للمشروع، فإن بعض مواده فجّرت موجة من الانتقادات القانونية. فقد قال المحامي بالنقض عمرو عبد السلام، في تصريحات لموقع “مصراوي”، إن إتاحة فسخ الزواج خلال 6 أشهر قد تؤدي إلى زيادة الطلاق، خاصة مع صياغة “عامة” قد تفتح الباب أمام ادعاءات غير واضحة، محذرًا من ترسيخ ما يُعرف بـ”زواج التجربة”. كما انتقد اشتراط موافقة الزوجة الأولى على الزواج الثاني، معتبرًا أنه مخالف للشريعة الإسلامية وقد يدفع البعض نحو الزواج العرفي.
الحضانة والرؤية وإشكالية التطبيق
ومن جهته، أكد المحامي أيمن محفوظ، في تصريحات لـ”مصراوي” أيضا، أن المشروع يحتاج إلى مراجعة شاملة لتحقيق التوازن، مشيرًا إلى أن نصوص الحضانة والرؤية لا تزال تعاني من صعوبات في التطبيق، ولا توفر تواصلًا كافيًا بين الأب وأبنائه. كما انتقد ربط تنفيذ الرؤية بسداد النفقة، معتبرًا أن ذلك قد يزيد النزاعات بدلًا من حلها.
مخاوف دستورية ودعوات للمراجعة
أما عمر هريدي، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، فحذّر في تصريحات لـ”مصراوي” من أن بعض مواد المشروع تفتقر إلى التوازن، وتحيط بها شبهات بعدم الدستورية.
ودعا إلى تدخل أقوى من نقابة المحامين، مطالبًا بتشكيل لجنة تضم خبراء قانونيين واجتماعيين وممثلين عن المؤسسات الدينية، لصياغة قانون متوازن يحقق الاستقرار الأسري.
وفي النهاية، يقف مشروع قانون الأسرة الجديد في منطقة وسطى بين السعي إلى تحديث المنظومة القانونية وتقليل النزاعات وبين تعقيد الواقع. إذ تثير النصوص الجديدة أسئلة حساسة تتعلق بالتوازن بين الحقوق واستقرار الأسرة وطبيعة العلاقات داخل المجتمع. ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح القانون في تحقيق العدالة والاستقرار أم يأتي بنتيجة عكسية؟
تحرير: عماد غانم
Source link



