أزمة الكيروسين .. هل ينقذ الوقود البديل مستقبل الطيران؟

ما هو الكيروسين؟
الكيروسين خليط من مركبات هيدروكربونية يُستخرج من النفط الخام خلال عملية التكرير، حيث يتم الحصول عليه تحديدا عبر التقطير التجزيئي عند درجات حرارة متوسطة.
وعلى خلاف الكيروسين التقليدي، ينتمي الكيروسين الحيوي إلى فئة وقود الطيران المستدام. ويُنتَج حاليًا بشكل أساسي من مصادر متجددة مثل زيوت الطهي المستعملة، والدهون الحيوانية، وأنواع مختلفة من النفايات العضوية الأخرى.
وبدون هذا الوقود، ستتوقف حركة الطيران العالمية بالكامل. ومع تداعيات الحرب في إيران، يبرز التساؤل حول البدائل الواقعية للكيروسين، وتلك التي يُمكن الاعتماد عليها مستقبلا لضمان استمرار قطاع الطيران.
ما تداعيات أزمة الكيروسين على قطاع الطيران؟
نتيجة للحرب في إيران، قد يواجه قطاع الطيران في ألمانيا وفي دول أخرى نقصا في إمدادات الوقود بدءا من شهر يونيو.
بحسب تقرير لوكالة رويترز، فإن اجتماعا عقد بين وزارتي الاقتصاد والنقل وممثلين عن قطاعي الطيران والطاقة في أبريل/نيسان 2026، أكد أن الطلب على الكيروسين في ألمانيا مؤمن حتى نهاية مايو/أيار في ألمانيا. ومع ذلك، يصعب التنبؤ بتأثير هذا الوضع على موسم العطلات الصيفية في عام 2026.
أين يُنتج الكيروسين؟
يُنتج جزء كبير من وقود الطائرات محليا في مصافي التكرير، إلا أن هذه الكمية لا تكفي لتلبية إجمالي الطلب المحلي البالغ حوالي تسعة ملايين طن، لا سيما وأن ألمانيا تُصدّر الكيروسين أيضا.
وحسب تقرير صحيفة دويتشلاند فونك الألمانية، فقد استوردت ألمانيا في عام 2025 النفط الخام، المكون الأساسي للكيروسين، بشكل رئيسي من النرويج والولايات المتحدة وليبيا.
ووفقا لدراسة أجرتها شركة الاستشارات “إنرجكس”، بلغ إنتاج الكيروسين في أوروبا عام 2024 ما يزيد عن عشرة ملايين طن، أي أقل بنسبة 24% عن عام 2019، أي قبل جائحة كورونا. وخلال السنوات الأخيرة، أُغلقت العديد من مصافي التكرير، بما في ذلك مصافٍ في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
ولتعويض هذا النقص، ارتفعت الواردات بشكل ملحوظ. وعلى خلاف النفط الخام، يلعب الشرق الأوسط دورا محوريا لأوروبا في هذا المجال، إذ يأتي أكثر من نصف الكيروسين المستورد من هذه المنطقة، ويُنقل الجزء الأكبر منه عبر مضيق هرمز.
ما هي الحلول القريبة؟
تشير التقارير الإعلامية إلى أن أحد المواضيع التي نوقشت خلال اجتماع بين الحكومة الألمانية وممثلي قطاع الطيران في أبريل 2026 كان “وقود الطائرات النفاثة (Jet A)”.
هذا نوع من الكيروسين حسب تقرير الصحيفة الألمانية، يُستخدم بشكل أساسي في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه لم يُعتمد بعد في ألمانيا. يتميز هذا النوع بانخفاض طفيف في درجة تجمده مقارنة بالكيروسين المستخدم في أوروبا. وتعتبر هيئة الطيران المدني الألمانية (BDL) اعتماد “وقود الطائرات النفاثة A” خطوة ضرورية.
في ظل الوضع الراهن، ينظر إلى ما يعرف بوقود الطيران المستدام (SAF) باعتباره بديلا محتملا للكيروسين. إلا أن تكلفة هذا الوقود تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف تكلفة الكيروسين التقليدي. وقد فرض على شركات الطيران في أوروبا باستخدام 2% من وقود الطيران المستدام منذ عام 2025، و6% منذ عام 2030.
مع ذلك، تشير شركة الاستشارات “إنرجكس”، إلى أن القدرات الإنتاجية الحالية لوقود الطيران المستدام وأنواع وقود الطائرات النفاثة البديلة الأخرى غير كافية لسد أي نقص محتمل في الكيروسين.
بحسب معهد تكنولوجيا الاحتراق، تشترك أنواع وقود الطيران المستدامة في خاصيتين: “فهي متطابقة كيميائيا تقريبا مع الكيروسين التقليدي، ولا تعتمد على مواد خام أحفورية، كما أن انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون أقل بكثير على مدار دورة حياتها، من الإنتاج وحتى الاحتراق”. وتُستخدم الزيوت والدهون النباتية والحيوانية (النفايات العضوية) كمواد خام لإنتاجها.
كيف يمكن استبدال الكيروسين مستقبلا؟
يجري تطوير بدائل لوقود الطيران التقليدي منذ سنوات، بدافع حماية المناخ في المقام الأول. والآن، تُضيف حرب إيران بُعدا جديدا لهذا الجهد يتمثل في أمن الإمدادات.
من جهة، يدور النقاش حول أنواع الوقود البديلة مثل الكيروسين الحيوي أو الكيروسين الاصطناعي، أي الوقود الإلكتروني للطائرات، إذ يمكن استخدام هذه الأنواع في المحركات الحالية دون الحاجة إلى تعديلات كبيرة.
ومن جهة أخرى، تُناقش أنظمة دفع جديدة بالكامل، مثل الطائرات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات أو الطائرات التي تعمل بالهيدروجين. والفرق هو أن أنواع الوقود الجديدة قابلة للاستخدام الفوري، بينما يتطلب الدفع بالهيدروجين أو البطاريات تطوير طائرات جديدة كليا.
من الناحية التقنية، تُعد هذه العملية متقدمة للغاية، فكما ذُكر سابقا، يُخلط هذا الوقود بالفعل مع الكيروسين التقليدي، على غرار البنزين والديزل في محطات الوقود.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في الكمية، فعلى المستوى العالمي، لا تُغطي زيوت الطهي المستعملة والمواد المماثلة سوى جزء ضئيل من الطلب، يقل عن واحد بالمئة. كما أن المواد الخام محدودة، ولا يمكن الاعتماد على النفايات العضوية وحدها.
من المرجح أن يتطلب الأمر زراعة نباتات مخصصة لإنتاج الكيروسين الحيوي. وتشير بعض الدراسات إلى أن تغطية ما بين 20 و30 بالمئة من الطلب باستخدام الكيروسين الحيوي أمر واقعي. بينما تبدو نسبة أعلى من ذلك صعبة التحقيق.
أما الوقود الإلكتروني، فتوضح صحيفة دويتشلاند فونك، أنه ينتج من ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين. وإذا تم إنتاج الهيدروجين باستخدام كهرباء نظيفة، يصبح هذا الوقود أكثر صداقة للبيئة مقارنة بالكيروسين الأحفوري. ورغم وجود محطات تجريبية بالفعل، فإن الكميات لا تزال محدودة للغاية كما أن التكاليف مرتفعة جدا، نظرا لاستهلاك عملية إنتاج الكيروسين الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة.
ينصبّ التركيز الرئيسي الراهن على بناء القدرات الإنتاجية وخفض تكاليف الإنتاج. ومن بين الحلول المطروحة ما يعرف بالكيروسين الشمسي، الذي يعتمد على الطاقة الشمسية المركزة بدلا من الكهرباء. كما توجد مشاريع تجريبية تعمل بالفعل على تطوير هذا النوع من الوقود.
الهيديوجين كوقود
كما تتم دراسة إمكانية استخدام الهيدروجين مباشرة كوقود. وتكمن ميزة الهيدروجين مقارنة بالوقود الإلكتروني في كفاءته العالية في استهلاك الطاقة: إذ يتم الاستغناء عن خطوة تحويل الهيدروجين مجددا إلى كيروسين، مما يقلل من فقدان الطاقة.
لكن للهيدروجين عيوبا أيضا، إذ يحتاج لخزانات خاصة للنقل والتخزين، كما يجب تسييله عند درجة حرارة تبلغ 253 درجة مئوية تحت الصفر. وهذا غير ممكن مع الطائرات الحالية، إذ يتطلب استخدامه تطوير طائرات جديدة بالكامل إضافة إلى بنية تحتية أرضية مختلفة للتزود بالوقود.
وتعمل شركة إيرباص على تطوير طائرات تعمل بالهيدروجين. وكان من المخطط في الأصل دخولها السوق حوالي عام 2035، ولكن من المتوقع حدوث تأخيرات الآن.
وهناك بديل آخر: الطائرات التي تعمل بالبطاريات. وتكمن ميزتها الأساسة في كفاءتها العالية في استهلاك الطاقة: إذ تُحوّل الكهرباء المخزنة في البطارية مباشرة إلى طاقة دفع، وفي هذه الحالة، لتشغيل محرك مروحي.
أما عيبها: فالبطاريات ثقيلة جدا، إذ تخزن طاقة أقل بكثير لكل كيلوغرام مقارنة بالكيروسين. ولذلك، ستقتصر استخداماتها بشكل أساسي على الرحلات القصيرة، والطائرات الصغيرة، والخطوط الإقليمية. لذلك، لا يوجد حتى الآن سوى طائرات كهربائية صغيرة جدا ونماذج أولية.
وقد تتوفر طائرات أكبر مخصصة للرحلات القصيرة في وقت ما خلال العقد المقبل. أما بالنسبة للرحلات المتوسطة والطويلة، فهذا غير واقعي في المستقبل المنظور بسبب الوزن الكبير للبطاريات.
أي بديل للكيروسين يمكن أن يسود؟
من المرجح أن يكون الحل مزيجا من عدة تقنيات، ولا تقنية واحدة. فعلى المدى القريب، سيأتي التأثير الأكبر من أنواع الوقود الجديدة، ولا سيما الكيروسين الحيوي.
أما على المدى المتوسط، فمن المتوقع أن تزداد أهمية أنواع الوقود الاصطناعية. كما يمكن لأنظمة الدفع الجديدة، مثل الدفع الكهربائي أو الهيدروجيني، أن تلعب دورا أكبر في مستقبل السفر الجوي، ولكن لاحقا، وغالبا في نطاق الرحلات الرحلات القصيرة فقط.
مراجعة: طارق أنكاي
Source link



