القواعد الأمريكية في ألمانيا: ثقل اقتصادي وأهمية استراتيجية

من الواضح أن التصريحات الأخيرة، التي أدلى بها المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن الحرب مع إيران، لم تعجب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال بغضب إن ” ميرتس لا يعرف على الإطلاق عما يتحدث”.
وكان ميرتس قد اتهمه في بداية الأسبوع بأن الأمريكيين “لا يملكون استراتيجية واضحة” في التعامل مع طهران: “هناك أمة بأكملها تتعرض للإذلال على يد القيادة الإيرانية”، كما صرح ميرتس، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي.
وجاء الرد سريعا. فقد هدد ترامب بتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا. وبعد فترة وجيزة أعلن وزير الدفاع الأمريكي، الذي يُقال إنه سيُطلق عليه من الآن فصاعدا لقب “وزير الحرب”، أن الولايات المتحدة ستسحب 5000 جندي من ألمانيا. وأضاف المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان يوم الجمعة (أول مايو/ أيار): “نتوقع أن يكتمل الانسحاب في غضون الستة إلى الاثني عشر شهرا القادمة”. ويوجد حاليا ما بين 35 ألف و39 ألف جندي أمريكي متمركزين في ألمانيا بالإضافة إلى حوالي 13 ألف فرد من سلاح الجو الأمريكي.
وليست هذه المرة الأولى التي يفكر فيها الرئيس الأمريكي في سحب جزئي للجنود الأمريكيين. وتلعب المنشآت العسكرية الأمريكية في ألمانيا دورا مهما يتجاوز الحدود الفعلية للبلاد.
أهم القواعد الأمريكية في ألمانيا:
يتوزع الجنود الأمريكيون المتمركزون في ألمانيا على حوالي 20 موقعا، لا سيما في جنوب وجنوب غرب البلاد، وإذا أضفنا المستودعات العسكرية الأصغر حجما فإن العدد يصل إلى حوالي 40 موقعا.
رامشتاين وشبانغدالم
تعد قاعدة رامشتاين الجوية في ولاية راينلاند بفالتس على سبيل المثال أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايات المتحدة. وهي محور لوجيستي للقوات والمعدات والبضائع المتجهة إلى الشرق الأوسط أو أفريقيا أو أوروبا الشرقية.
رامشتاين هي المقر الرئيسي للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا ومركز قيادة الناتو لمراقبة المجال الجوي العسكري لجميع شركاء الناتو الأوروبيين. بالإضافة إلى ذلك تضم القاعدة الجوية “محطة ترحيل للأقمار الصناعية”، تكتسب أهمية كبيرة في استخدام الطائرات المقاتلة الأمركية بدون طيار على سبيل المثال في الشرق الأوسط. ونظرا لأن انحناء الكرة الأرضية يمنع التحكم المباشر من الولايات المتحدة يتم توجيه الإشارات من هناك عبر رامشتاين إلى الطائرات بدون طيار عبر الأقمار الصناعية.
وتكتسب القاعدة أهمية بالغة أيضا لأن الجنود المصابين من أوروبا أو أفريقيا أو الشرق الأوسط يُنقلون جوًّا إلى رامشتاين ويُعالجون في مركز لاندشتول الطبي الإقليمي المجاور مباشرة، وهو أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة. كلا المنشأتين جزء من مجتمع كايزرسلاوترن العسكري، الذي يضم ما يزيد عن 50 ألف أمريكي من جنود وموظفين مدنيين وعائلاتهم.
وعلى بعد حوالي 120 كيلومترا شمال غربا تقع قاعدة “شبانغدالم” (Spangdahlem) الجوية، وهي ثاني أكبر قاعدة جوية أمريكية في ألمانيا. وعلى عكس رامشتاين تُعتبر شبانغدالم في المقام الأول موقعا قتاليا عملياتيا.
ويتمركز هنا سرب مقاتلات يضم حوالي 20 طائرة مقاتلة من طراز “اف -16″، والذي من المفترض أن يعمل كقوة تدخل سريعة في أوقات الحرب والأزمات. يخدم السرب في تأمين الجناح الشرقي للحلف الأطلسي وهو متخصص في تعطيل الدفاعات الجوية المعادية في حالات الطوارئ.
شتوتغارت وفيسبادن
في حين تُعتبر رامشتاين وشبانغدالم بمثابة “القبضتين العملياتيتين” للجيش الأمريكي فإن شتوتغارت وفيسبادن تُعتبران “الدماغ الاستراتيجي”. ففي شتوتغارت يقع المقر الرئيسي لكل من القيادة الأوروبية الأمريكية والقيادة الأفريقية الأمريكية . ومن هنا يتم توجيه جميع الأنشطة العسكرية الأمريكية في هذين القارتين. كما يوجد في فيسبادن المقر الرئيسي لجميع القوات البرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا. وهنا يتم أيضا تنسيق إمدادات الأسلحة الغربية وبرامج التدريب للجيش الأوكراني.
غرافنفور وهوهنفلس
تقع في هاتين البلديتين البافاريتين الواقعتين شرق نورنبرغ مركز الاستعداد المتعدد الجنسيات المشترك وهو أهم مركز تدريب تابع للجيش الأمريكي في أوروبا. وتضم غرافنفور (Grafenwöhr) أحد أكبر وأحدث ميادين التدريب العسكري في العالم حيث يتم التدريب على استخدام أنظمة الأسلحة بالذخيرة الحية.
وفي هوهنفلس (Hohenfels) يتم محاكاة سيناريوهات حربية واقعية في قرى اصطناعية أحيانا بمشاركة مدنيين. ويتدرب في هذين الموقعين سنويا آلاف الجنود التابعين لحلف الناتو بهدف تحسين التعاون عبر الحدود.
بوشل
تُعتبر قاعدة “بوشل” (Büchel) الجوية في ولاية راينلاند بفالتس الموقع الوحيد المتبقي للأسلحة النووية في المانيا على الرغم من أن الولايات المتحدة وألمانيا لم تؤكدا ذلك رسميا قط. وتشارك ألمانيا مثلها مثل دول أوروبية أخرى في ما يُعرف بـ”المشاركة النووية” لحلف الناتو. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تخزن أسلحة نووية في أوروبا، والتي سيتم نقلها في حالة الطوارئ بواسطة طائرات شركائها الأوروبيين في حلف الناتو إلى الهدف المحدد.
ويقدر “معهد ستوكهولم لأبحاث السلام”، المعروف اختصارا باسم “سايبري” (SIPRI) أن الولايات المتحدة قد نشرت هنا ما بين 15 و20 قنبلة نووية تكتيكية. وتضم القاعدة الجوية سربا تكتيكيا من سلاح الجو الألماني مدربا بشكل خاص بالإضافة إلى سرب دعم ذخيرة أمريكي مسؤول عن صيانة الأسلحة المخزنة هناك.
لماذا تستضيف ألمانيا عددا كبيرا من القواعد الأمريكية؟
يعود السبب في ذلك إلى تداعيات الحرب العالمية الثانية. فبعد انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية تم تقسيم الجزء الغربي، الذي أصبح فيما بعد جمهورية ألمانيا الاتحادية، إلى ثلاث مناطق احتلال: منطقة بريطانية ومنطقة فرنسية ومنطقة أمريكية. شملت المنطقة الأخيرة بشكل أساسي جنوب وجنوب غرب ألمانيا؛ ولهذا السبب تتركز القوات الأمريكية هناك حتى اليوم.
ومع بداية الحرب الباردة تغير دور ألمانيا (الغربية) من دولة مهزومة إلى حليفة للولايات المتحدة: فقد كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية دولة حدودية تقع على الحدود المباشرة مع جمهورية ألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا وهما دولتان من دول حلف وارسو.
كان كل من الألمان الغربيين والأمريكيين حريصين في الوقت نفسه على توسيع وجود عسكري أمريكي دائم كان من المفترض أن يكون رادعا للاتحاد السوفيتي. وفي هذا السياق تم في عام 1985 تمركز أكثر من 250 ألف جندي أمريكي هنا لفترة من الوقت.
وحتى بعد انهيار النظام السوفيتي في 1989/90 ظل الموقع الجغرافي لألمانيا في قلب أوروبا مواتيا استراتيجيا للولايات المتحدة. واستمر استخدام القواعد الموجودة لدعم العمليات العسكرية الأمريكية على سبيل المثال في الشرق الأوسط وأفريقيا ولكن أيضا لتأمين الجناح الشرقي لحلف الناتو في مواجهة روسيا على الرغم من أن عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في هذا البلد قد انخفض باستمرار منذ ذلك الحين.
ما مدى الأهمية الاقتصادية لهذه القواعد؟
تُعد القواعد العسكرية الأمريكية عاملا اقتصاديا بالغ الأهمية بالنسبة للبلدات والمدن المعنية. ويقع العديد من هذه القواعد في مناطق ريفية تعاني من ضعف البنية التحتية، حيث غالبا ما يكون الجيش الأمريكي أكبر مستثمر فردي وأكبر صاحب عمل في تلك المناطق.
ويعمل ما يزيد عن 10 آلاف موظف مدني ألماني بشكل مباشر لدى الجيش الأمريكي أو بشكل غير مباشر في شركات التوريد أو قطاع البناء أو قطاع الخدمات، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70 ألف وظيفة ألمانية تعتمد عليه.
تستثمر الولايات المتحدة سنويا مليارات اليورو في تشغيل قواعدها الألمانية وتوسيعها وتحديثها. وأخيرا ينفق الجنود الأمريكيون وعائلاتهم جزءا كبيرا من رواتبهم في المتاجر والشركات التجارية الألمانية: فمجتمع كايزرسلاوترن العسكري وحده يساهم سنويا بما يصل إلى 3.5 مليار يورو في الاقتصاد المحلي.
أعده للعربية: م.أ.م/ تحرير: ص.ش
Source link



