الأمن أولاً أو لا اقتصاد!

في تصريح يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي، أعلن الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة أنور قرقاش، أن بلاده بصدد “إعادة قراءة دقيقة لخريطة علاقاتها الإقليمية والدولية”.
كلمات قرقاش التي نقلتها وكالة رويترز رآها البعض بمثابة إعلان لا يمثل مجرد مراجعة روتينية فحسب، وإنما هو – وفقاً لخبراء – إشارة إلى مرحلة جديدة من “البراغماتية الانتقائية”، حيث تسعى أبوظبي لفرز شركائها وفق معيارين متلازمين لا يقبلان التجزئة: الأمن المستدام والصلابة الاقتصادية.
تأتي هذه التحركات في أعقاب سلسلة من الصدمات الأمنية والاقتصادية التي ضربت المنطقة، مما أثبت أن الجغرافيا وحدها لم تعد كافية لضمان استقرار نموذج “المركز التجاري الآمن” الذي بنته الإمارات على مدار عقود.
فرز الشركاء: الأمن كشرط مسبق للنمو
تدرك القيادة الإماراتية أن أي اهتزاز في أمن الملاحة بمضيق هرمز يمثل تهديداً وجودياً لنموذجها الاقتصادي القائم على التدفقات الحرة للتجارة والطاقة. وقد ذهبت أبوظبي إلى أبعد من التصريحات الدبلوماسية، حيث أبلغت حلفاءها باستعدادها للمشاركة في “قوة مهام بحرية متعددة الجنسيات” تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بل وأبدت استعدادها لنشر بحريتها الخاصة ضمن هذا التحالف. وتعكس هذه الخطوة موقفاً إماراتياً متشدداً تجاه طهران التي تتهمها أبوظبي “بشن حرب على الاقتصاد العالمي”، بحسب ما كشفه تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز.
وتعزز هذه التوجهات قناعة إماراتية بأن الولايات المتحدة تظل الشريك الأمني المركزي، مع سعي حثيث لتعميق هذا الدور لمواجهة التهديدات الملاحية. وفي هذا السياق، تصف الإمارات “تسييس” أو تهديد الملاحة في هرمز بأنه “إرهاب اقتصادي” لا يمكن القبول بارتهان العالم له، حيث أكد الوزير سلطان الجابر أن “إيرانتحتجز هرمز كرهينة، وكل دولة تدفع الفدية عند مضخة البنزين وفي متجر البقالة”، وفقاً لما نقلته صحيفة فاينانشال تايمز عن مسؤولين إماراتيين.
التحوط الاقتصادي: بناء “المناعة” ضد الاضطرابات
على الجانب الآخر من المعادلة، لا تكتفي الإمارات بتعزيز المظلة الأمنية، بل تعمل على “هيكلة اقتصادية ومالية” جديدة لتقليل الحساسية تجاه التقلبات الخارجية. وتبرز هنا الزاوية الأوروبية كجزء أصيل من استراتيجية “توسيع خريطة العلاقات”. فمنذ انطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة والشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي في أبريل 2025، يبدو واضحاً أن أبوظبي تبحث عن شركاء يقدمون “عمقاً تكنولوجياً واستثمارياً” مستقراً، وفقاً لتقارير معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (ISS).
ومع ذلك، يرى محللون أن الطبيعة “العولمية” الفائقة للاقتصاد الإماراتي تجعله الأكثر عرضة للتأثر بالصدمات الإقليمية مقارنة بجيرانه. فبينما تعتمد السعودية مثلاً على إنفاق الدولة والطلب المحلي، يرتكز النموذج الإماراتي على السياحة، الشحن، الطيران، والاستثمار الأجنبي المباشر، وهي قطاعات حساسة للغاية لأي تهديد أمني. لذا، فإن الاستثمارات الإماراتية الضخمة في اللوجستيات والذكاء الاصطناعي تهدف في جوهرها إلى منح القوى العالمية مصلحة مباشرة في حماية البلاد، بحسب تحليل معمق نشرته صحيفة فاينانشال تايمز.
البراغماتية في بيئة هشة: دروس من “صدمة هرمز”
ويرى خبراء ومحللون أن الأزمات الأخيرة أثبتت أن هشاشة الملاحة في الخليج قد وضعت نموذج “الملاذ الآمن” تحت اختبار عسير. رداً على ذلك، لم تنكفئ الإمارات على نفسها، بل تحركت لتعزيز “صلابة النموذج” عبر تنويع المسارات، بما في ذلك تسريع خطط بناء خطوط أنابيب وبنية تحتية للسكك الحديدية لنقل موارد الطاقة براً إلى عمان أو البحر المتوسط لتجاوز نقاط الاختناق البحرية، وفق ما ذكره مسؤولون إقليميون لصحيفة فاينانشال تايمز.
ويمثل تصريح قرقاش إعلاناً عن نهاية عصر “الطمأنينة الجغرافية” وبداية عصر “التحوط الاستراتيجي”. فالإمارات اليوم تعيد ترتيب أولوياتها، واضعةً “الأمن أولاً” كقاعدة ينطلق منها “الاقتصاد الصلب”. وهي بذلك ترسل رسالة واضحة لكل الفاعلين الدوليين: الثقة في هذه المنطقة ستُمنح لمن يستطيع حماية الشراكة وتطويرها في آن واحد، في بيئة لم تعد تضمن فيها الجغرافيا وحدها الاستقرار، بحسب تقديرات مراقبين ووفق تقارير لمجلس العلاقات الخارجية (CFR).
تحرير: ابتسام فوزي
Source link



