قطع أشجار غابة السنط يستأصل رئة الخرطوم

غابة السنط الممتدة على 1500 هكتار على ضفاف النيل الأبيض محمية طبيعية حيوية ومتنفس لا غنى عنه لسكان الخرطوم؛ إذ تضم الغابة أشجار السنط المقاومة للفيضانات، وتوفر موطناً للعديد من الطيور، فضلاً عن كونها مصدراً مهماً للأوكسجين.
يتساءل الكثيرون عن مصير غابة السنط في ظل الحرب، وخاصة بعد انتشار صور على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي تُظهر الدمار الكبير ، ما أثار قلق ناشطي البيئة وغضبهم.
فوائد لا تعد ولاتحصى لغابة السنط
في قلب العاصمة الخرطوم، تقدّم غابة السنط في منطقة المقرن نموذجاً حياً لخسائر البيئية الناتجة عن تراجع الغطاء الشجري. فهذه الغابة النيلية ، الواقعة ضمن النطاق الحضري، ليست مجرد مساحة خضراء، بل تمثل منظومة بيئية متكاملة تؤدي وظائف حيوية يومية للمدينة.
وأفاد مجاهد أحمد حمزة محمد، خبير الغابات بالهيئة القومية للغابات، لـ DW عربية أن غابة الخرطوم تمثل “رئةً للمدينة؛ إذ تمتص ثاني أكسيد الكربون وتزيل الغازات السامة وتلطّف الأجواء، كما توفر ملاذاً للطيور المهاجرة ومركزًا للتنوع البيولوجي “. وأضاف: “الغابة تعمل كحاجز طبيعي ضد الفيضانات ، وتشكل مختبراً حياً لطلاب كليات الغابات، حيث يدرسون الأشجار والتنوع البيولوجي وطرق حماية البيئة بشكل مباشر”.
قطع “ممنهج” لغابة السنط
وبدوره، أكد البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، خبير الغابات، لـ DW عربية أن الدمار الذي لحق بغابة السنط “شامل” ولم يحدث “بشكل عشوائي”، رغم أن الحرب زادت الضغط على الموارد الطبيعية. وأضاف أن “الغابة تعرّضت لقطع ممنهج نفذته جهات محددة، يُرجح أنها قوات عسكرية باستخدام معدات حديثة، وليس بفعل المواطنين العاديين، الذين لا يستطيعون تدمير مساحة بهذه الضخامة”.
ويُعد السودان أكبر الدول العربية من حيث مساحة الغابات ، حيث تبلغ نحو 183,595 كيلومتر مربع، أي حوالي 10–11٪ من مساحة البلاد، حسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). وتتنوع غاباته بين:
• غابات نيليّة على ضفاف النيلين، وهي كثيفة ورطبة.
• غابات الظهرة في المناطق الجافة والشبه جافة، وفيها أشجار متعددة كالسنط والسمر.
• الغابات المروية المحدودة في المناطق الزراعية أو المحمية.
يشير البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد إلى أن موقع غابة السنط عند ملتقى النيلين جعلها هدفاً لمشاريع اقتصادية وتعديات متعمدة من بعض المستثمرين. كان بعضهم يطمح لتحويل الغابة إلى فنادق خمسة نجوم وملاعب جولف، لكن الضغوط من السكان المحليين ساهمت في إفشال بعض هذه المخططات.
و تظهر بيانات الهيئة القومية للغابات بالتعاون مع “برنامج الأمم المتحدة للبيئة” (UNEP) في تقرير 2026 أن إزالة الغابات في السودان تنتج أكثر من 9.3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ويضيف تدهور الغابات نحو 1.6 مليون طن أخرى، بينما تمتص الغابات الباقية الكربون . وتشير هذه الأرقام إلى أن حماية الغابات ضرورة ملحة لمواجهة تغير المناخ والحفاظ على جودة الهواء والاستقرار البيئي.
ما التبعات البيئية والمناخية؟
انتشر القطع العشوائي للأشجار لإنتاج الفحم والحطب في ولايات دارفور، الخرطوم، الجزيرة، وسنار، نتيجة انهيار الحوكمة وغياب الرقابة. وكشف البروفيسور طلعت أن قطع الغابات يزيد من التدهور البيئي، ويهدد التنوع البيولوجي، ويضاعف الضغوط على المناخ والمجتمعات المحلية الأقل هشاشة. وأضاف أن هناك إبادة كاملة لغابات السودان في كردفان، دارفور، الجزيرة، النيل الأزرق، والشمالية، وقد يكون هناك مناطق إبادة جزئية وأخرى كاملة.
وأكد البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، خبير الغابات، أن غابة السنط في الخرطوم تعرضت للإبادة الكاملة، مشيراً إلى أن فيديوهات مدير الغابات بالولاية أظهرت وجود بعض الإنبات الطبيعي ، إلا أن التعافي الكامل للأشجار للوصول إلى حجمها الطبيعي سيستغرق نحو 20 عاماً.
واوضح البروفيسور طلعت إلى أن الطلب على الحطب والوقود ارتفع خلال الحرب في السودان، متوقعاً أن الغابات المتبقية ستختفي إذا استمرت تداعيات حرب إيران ونقص الغاز، ما يجعل الوضع البيئي في مأزق شديد.
وتشير المؤشرات إلى أن تراجع الغطاء النباتي يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الجفاف، وتدهور جودة الهواء ، ويضاعف الضغوط الصحية على سكان الخرطوم، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
وأشار البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد إلى أن الأثر البيئي الناتج عن هذا التدهور بالغ جداً، فإزالة الغابات، التي كانت تعمل كمناطق للراحة والاستجمام وتحسين المناخ، ستترك أثراً كبيراً يشمل اضطراب مسارات هجرة الطيور، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة نشاط الغبار ، وانتشار التصحر.
ومن المتوقع أن تمتد هذه التأثيرات لتصل إلى القرى والمراكز الحضرية، مسببة ضغوطاً إضافية على السكان والموارد المحلية.
تهديد الأمن الغذائي
ويضيف البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، خبير الغابات، أن آثار إزالة الغابات على البيئة والزراعة والمناخ ستكون كبيرة للغاية، إذ سيؤثر التدهور على إنتاجية المحاصيل وتغير المواسم، ويزيد الضغوط على الأمن الغذائي، خاصة في المناطق التي شهدت تدمير الغابات والتي كانت بمثابة شبكات أمان بيئية. كما حذر من أن فقدان الغطاء النباتي سيؤدي إلى تفاقم الهجرة البيئية وارتفاع مستويات الفقر في المجتمعات.
ويبرز البعد العالمي لهذه القضية؛ إذ أن النظام المناخي مترابط، وفقدان الغابات في أي منطقة له تأثيرات عالمية. لذا، تُعد حماية الغابات في السودان جزءًا من الجهد العالمي لمواجهة تغير المناخ، فهي لا تحمي البيئة محلياً فحسب، بل تساهم أيضاً في استقرار المناخ على مستوى العالم.
Source link



