أخبار العالم

مسيرة متقلبة بين التهديد والمفاوضة والغموض

بعد ثلاثة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الجمعة (20 مارس/آذار 2026) للمرة الأولى إن بلاده تدرس “تقليص عملياتها تدريجياً” ضد إيران، وذلك بعدما استبعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وفق ما نقلت وكالة أ ف ب للأنباء. 

وتظهر تصريحات ترامب الأخيرة تناقضاً واضحاً في سياق هذه الحرب، إذ قال إن الولايات المتحدة “تقترب جداً من تحقيق أهدافها” وتفكر في تقليص الحرب، رغم تأكيده سابقاً رفض وقف إطلاق النار ومؤكدً استمرار التعزيزات العسكرية.

وتباينت الأهداف المعلنة من هذه الحرب وجدولها الزمني المتوقع من الإطاحة بالنظام الإيراني إلى إضعاف قدراته العسكرية والأمنية والنووية ونفوذه الإقليمي، فضلاً عن دعم المصالح الإسرائيلية.

“تغير الدافع من قرار أمريكي مستقل إلى حساب تحالف مع إسرائيل”

ويرى خبراء ومحللون أن أهداف دونالد ترامب في الحرب مع إيران شهدت تحولات متكررة، ما يعكس غياب استراتيجية ثابتة. فبحسب الخبير في الحروب الاقتصادية إدوارد فيشمان في مقابلة مع موقع هاندِلْسْبلات الألماني الاقتصادي، فإن الإدارة الأمريكية دخلت في “مأزق غير قابل للحل” بسبب سوء تقديرها لتداعيات مثل إغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أنه “لا يوجد مخرج سريع” للصراع، وهو ما يشير إلى انتقال الهدف من حسم سريع إلى إدارة أزمة معقدة.

من جانبه، يرى المؤرخ فولكر ديبكات في حوار لإذاعة دويتشلاند فونك الالمانية أن حرب ترامب ضد إيران باتت تُضعف موقعه ليس فقط خارجيا بل أيضا داخلياً على خلفية أن بعض مؤيديه يعتقدون بأن “إسرائيل فرضت هذا الحرب عليه”، ما يضغط على العلاقات الحساسة بين واشنطن وتل أبيب، ويعتبر المؤرخ فولكر ديبكات أن الحرب تُظهِر في الواقع توترا في العلاقة الأمريكية مع إسرائيل بالنظر إلى أن الانتقادات في الولايات المتحدة تشير إلى أن ترامب قد يكون تحرك تحت ضغط إسرائيلي، ما يعكس تغير الدوافع من قرار أمريكي مستقل إلى حسابات تحالفات.

وفي تغطية إعلامية لبي بي سي، نقلت الشبكة عن الخبير العسكري والعقيد المتقاعد مارك كانسيان أن التعزيزات الأمريكية “تستغرق وقتاً للوصول”، موضحاً أن نشر القوات قد يحتاج “من أسبوع إلى 30 يوماً”، ويعكس هذا التقييم أن أي تصعيد عسكري ليس فورياً كما توحي بعض تصريحات ترامب، بل يتطلب وقتاً وتخطيطاً، ما يتناقض مع حديثه المتكرر عن حسم سريع للحرب أو قرب انتهائها.

أما فيونا هيل، المستشارة السابقة لترامب، فوصفت في مقابلة مع صحيفة دي تسايت الألمانية الحرب بأنها “واحدة من أكبر أخطائه”، محذرة من أنها تعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة، وتدفع نحو تصعيد غير محسوب.

ويرى المحلل إدوارد سالو، أستاذ التاريخ ورئيس قسم التاريخ في جامعة ولاية أركنساس، أن الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي ترتكبه الولايات المتحدة في صراعها مع إيران ليس عسكريا، ولكنه دبلوماسي ويتمثل في عدم تشكيل تحالف قبل إطلاق الطلقة الأولى، وفق ما نقلت د ب أ.

بالمحصلة، يُجمع الخبراء على أن أهداف الحرب تحولت من حسم سريع أو ردع نووي-صاروخي، إلى مزيج من الاحتواء والتصعيد وإعلان نصر سياسي، ما خلق حالة من التخبط الاستراتيجي وعدم وضوح النهاية.

كيف تغيرت أسباب ترامب للحرب مع إيران؟

وفيما يلي تسلسل زمني يظهر كيف تغيرت أسباب ترامب للحرب مع إيران، من خلال وصف ترامب نفسه لأهدافه من الحرب والجدول الزمني لها:

28 فبراير/شباط 2026: دعوة الإيرانيين للإطاحة بحكومتهم

في الوقت الذي شنت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما، قال ترامب في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي إن على الشعب الإيراني “تولي زمام” الحكم في بلاده. وأضاف: “سيكون الأمر بأيديكم.. وربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة”. ووصف ترامب الهجمات بأنها “عمليات قتالية كبرى”.

‌فبراير/شباط 2026: إضعاف الجيش الإيراني ونفوذه

قال ترامب إن واشنطن ستحرم إيران من القدرة على امتلاك سلاح نووي، على الرغم من إصرار طهران على أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية. ولا تمتلك إيران أسلحة نووية، في حين تمتلكها الولايات المتحدة. ويُعتقد على نطاق واسع أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية.

وأصر ترامب على أنه سينهي ما وصفه بتهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية. وقال: “سندمر صواريخهم ونسوي ​صناعة الصواريخ لديهم بالأرض… سنقضي على أسطولهم البحري”. وقال ترامب إن صواريخ إيران بعيدة المدى “يمكنها الآن تهديد أصدقائنا وحلفائنا المقربين في أوروبا، وقواتنا المتمركزة في الخارج، ويمكن أن تصل قريباً إلى الأراضي الأمريكية”.

وجاءت تصريحات ترامب ​مماثلة لما قاله الرئيس السابق جورج بوش الابن بشأن الحرب على العراق، والتي تضمنت ادعاءات كاذبة. ولا يؤيد الخبراء ولا أجهزة الاستخبارات الأمريكية ​تأكيدات ترامب، وتشير تقديراتهم إلى ‌أن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني كان لا يزال بعيداً بسنوات عن تهديد الأراضي الأمريكية.

2 مارس/آذار 2026: تغير الجدول الزمني

ذكر ترامب أنه من المتوقع أن تستمر الحرب من أربعة إلى خمسة أسابيع، لكنها قد تستمر لفترة أطول. وقال ترامب في البيت الأبيض: “نسبق بالفعل توقعاتنا للجدول الزمني بشكل كبير. لكن مهما استغرق الأمر.. فلا بأس”.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترامب إن ‌هناك “إمدادات غير محدودة تقريباً” من الذخائر الأمريكية، وإن “الحروب يمكن خوضها ‘إلى الأبد’، وبنجاح كبير، باستخدام هذه الإمدادات فقط”.

ولم يقدم ترامب في إخطار موجه إلى الكونغرس أي ‌جدول زمني. ​وكان ترامب قد ذكر في وقت سابق لصحيفة ديلي ميل أن الحرب قد تستغرق “أربعة أسابيع أو أقل”، ثم قال لصحيفة نيويورك تايمز إنها قد تستغرق من أربعة إلى خمسة أسابيع، ثم قال لاحقا إنها قد تستغرق وقتا أطول.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
قال روبيو للصحفيين إن عزم إسرائيل على مهاجمة إيران دفع واشنطن إلى شن ضربة.صورة من: CNP/AdMedia/IMAGO

2 مارس/آذار 2026: روبيو يقول إن أمريكا هاجمت إيران لأن إسرائيل كانت ستفعل ذلك

قال وزير الخارجية ماركو روبيو للصحفيين إن عزم إسرائيل على مهاجمة إيران دفع واشنطن إلى شن ضربة. وأضاف روبيو: “كنا نعلم أنه ستكون ​هناك عملية إسرائيلية، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية، وكنا نعلم أننا إذا لم نضربهم بشكل استباقي قبل أن يشنوا تلك الهجمات، فسوف نتكبد خسائر أكبر”.

3 مارس/آذار 2026: تصريحات لترامب تتناقض مع ما قاله روبيو

قال ترامب إنه أمر القوات الأمريكية بالانضمام إلى هجوم إسرائيل على إيران لأنه اعتقد أن طهران كانت على وشك أن تضرب أولاً. وأضاف: “ربما ⁠أكون قد ​أجبرتهم (إسرائيل) على التحرك… لو لم نفعل ذلك، لكانوا (إيران) سيهاجمون أولاً”.

4 مارس/آذار 2026: دعوة إلى “تدمير” البنية التحتية الإيرانية الأمنية

قال وزير الدفاع بيت ​هيغسيث إن الهدف هو “تدمير الصواريخ الهجومية الإيرانية وتدمير إنتاج الصواريخ الإيرانية وتدمير أسطولهم البحري وغيرها من البنية التحتية الأمنية”.

6 مارس/آذار 2026: دعوة إلى “استسلام غير مشروط”

كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي “لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران سوى على الاستسلام غير ​المشروط”.

11-8 مارس آذار 2026: مجرد البداية لكنها “انتهت تقريبا”

قال ‌هيغسيث لشبكة سي.بي.إس نيوز في مقابلة بثت في الثامن من مارس/آذار إن الضربات على إيران كانت “مجرد بداية”. وبعد يوم واحد قال ترامب للشبكة نفسها: “أعتقد أن الحرب انتهت تقريباً”.

وزير الدفاع الأمريكي بيت ​هيغسيث
قال ​هيغسيث إن واشنطن لا تحدد إطاراً زمنياً للحرب وإن ترامب هو من سيقرر متى تتوقف.صورة من: Konstantin Toropin/AP Photo/picture alliance

وقال ترامب للصحفيين في وقت لاحق من اليوم نفسه: “انتصرنا بالفعل من نواحٍ عديدة، لكننا لم ننتصر بما فيه الكفاية”. وعندما سُئل عن إنْ كانت الحرب ​قد بدأت أم انتهت، قال: “حسناً، أعتقد أنه يمكن قول كلا ⁠الأمرين”. وفي 11 مارس/آذار، قال ترامب مرة أخرى إنه يعتقد أن الولايات المتحدة انتصرت، لكنه أضاف: “علينا إنهاء المهمة”.

13 مارس/آذار 2026: تخفيف الدعوة إلى الانتفاضة الداخلية

في مقابلة أجريت في 13 مارس/آذار، قال ⁠ترامب لشبكة فوكس نيوز إن الحرب ستنتهي “عندما أشعر بذلك يقيناً”. وخفف ​ترامب دعوته للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم. وقال “أعتقد حقاً أن هذه عقبة كبيرة أمام الناس الذين لا يملكون أسلحة”.

19 مارس/آذار 2026: هيغسيث يقول إنه لا يوجد إطار زمني

قال هيغسيث إن واشنطن لا تحدد إطاراً زمنياً للحرب وإن ترامب هو من سيقرر متى تتوقف. وأضاف: “لا نريد وضع إطار زمني محدد”. “سيكون الأمر في النهاية خيار الرئيس، أن نقول: “حققنا ما نريد”.

20 مارس/آذار 2026: ترامب يفكر في إنهاء الحرب دون وقف إطلاق النار

كتب ترامب على موقع تروث سوشال “نقترب جداً من تحقيق أهدافنا ونفكر في إنهاء جهودنا العسكرية العظيمة” في الحرب مع إيران. وفي وقت سابق من اليوم، قال للصحفيين عندما سُئل عن الحرب “لا أريد وقفاً لإطلاق النار”.

“سوء تقدير استراتيجي وخطاب متقلب من ترامب”

تقديم الرئيس ​الأمريكي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في إدارته أهدافا وأسبابا متغيرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هو أمر يرى المنتقدون أنه يدل على غياب التخطيط لهذا الصراع وما سيتبعه من تداعيات.

ومجمل مواقف الخبراء تعكس صورة متوترة: مأزق استراتيجي، وتوتر سياسي-تحالفي، وسوء تقدير استراتيجي، وخطاب متقلب من ترامب يزيد الاضطراب السياسي والعسكري حول الحرب.

تحرير: عماد حسن


Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى