الشرطة الجنائية الألمانية.. قوة ضاربة في مكافحة الجريمة

كانت الشفافية والنقد الذاتي موضوعًا محرّمًا لفترة طويلة لدى المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA) في ألمانيا. وفقط في عام 2007، بدأ يسمح بتسليط الضوء على تاريخه الخاص. ويمكن لمن يزور موقعه الإلكتروني في هذه الأيام أن يقرأ بمناسبة الذكرى السنوية الـ75 لتأسيسه عبارات كهذه: “لقد هيمنت على المكتب حتى أواخر ستينيات القرن العشرين بشكل أساسي كوادر قيادية كان قد تم دمجها في أجهزة الأمن الاشتراكية الوطنية (النازية). وبدأ التغيير الجذري فقط مع تعاقب الأجيال بعد عام 1969″.
النازيون ساهموا في بناء أجهزة الأمن الألمانية
تأسس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية في 15 آذار/مارس 1951، ومقره الرئيسي في مدينة فيسبادن بولاية هيسن. ولم يكن هذا المكتب حالة فردية. فقد كان النازيون السابقون يملؤون جميع الدوائر الرسمية والوزارات والقوات المسلحة المسؤولة عن الأمن القومي – سواءً في القضاء أو الجيش أو المكتب الاتحادي لحماية الدستور أو جهاز المخابرات الاتحادي (BND).
حيث تولى بشكل شبه حصري مسؤولية إنشاء المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية أعضاءٌ سابقون في الحزب النازي (NSDAP) ووحدات الأمن النازية المعروفة باسم “إس إس”. وكانت وحدات الأمن النازية إس إس إلى جانب شرطة الدولة السرية (الغستابو) أهم أداة للحكم والقمع بالنسبة لأدولف هتلر.
وبعد مرور ثلاثة أرباع القرن على تأسيسه، أصبح المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية يتعامل بانفتاح مع ماضيه ويقدّم نفسه بثقة: “حماية الديمقراطية مهمة أساسية من مهام الشرطة. وفي زمن التهديدات الهجينة، يقوم المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بتكييف استراتيجياته المضادة، ويستجيب بمرونة، ويجمع الخبرات”.
إرهاب وتطرُّف وجرائم إلكترونية
وفي ألمانيا الاتحادية، يتولى المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، بالتعاون مع 16 مكتب شرطة جنائية تابعة للولايات، تنسيق جميع الظواهر التي تهدّد أمن ألمانيا: التطرف السياسي والديني، وتجارة المخدرات، والإرهاب الدولي، والجرائم الإلكترونية. والمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية مسؤول أيضًا عن حماية الأشخاص المعرَّضين للخطر – بدءًا من المستشار الاتحادي ورئيس الجمهورية الاتحادية وحتى ضيوف الدولة.
شكّل الإرهاب اليساري، الذي بدأ عام 1968، نقطة تحوّل في ألمانيا. فقد أقدمت جماعة الجيش الأحمر (RAF) على اختطاف وقتلت العديد من الشخصيات العامة حتى تسعينيات القرن العشرين. وغالبًا ما كان الضحايا من كبار رجال الأعمال، مثل هانس مارتن شلاير، رئيس اتحاد أرباب العمل الألمان.
زيادة التمويل وعدد الموظفين باستمرار
ومع زيادة التهديد، وسّعت الحكومة بشكل كبير المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، الذي يملك حاليًا ميزانية تبلغ 1.24 مليار يورو. وتضاعف عدد موظفيه في الفترة من عام 1970 وحتى بداية الألفية أربعة أضعاف تقريبًا – من نحو 1200 موظف إلى أكثر من 4500 موظف. وزاد عددهم بشكل حاد خلال الخمسة وعشرين عامًا التالية إلى نحو 9400 موظفة وموضف. وكان السبب الرئيسي لهذه الزيادة هو هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية، التي قام بها تنظيم القاعدة الإسلاموي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومنذ ذلك الحين، تعزز ألمانيا جميع أجهزتها الأمنية باستمرار. ويلعب المركز المشترك لمكافحة الإرهاب (GTAZ) دورًا رئيسيًا في ذلك. وهذا المركز تأسس في برلين عام 2004، ويعمل فيه المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بالتعاون مع خبراء من مكاتب الشرطة الجنائية التابعة للولايات الألمانية، والشرطة الاتحادية المسؤولة عن أمن الحدود، ومكتب التحقيقات الجنائية الجمركية، وأجهزة الاستخبارات، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF).
التجسس والتخريب والتطرف اليميني
ويوجد في المركز المشترك لمكافحة الإرهاب مكان أيضًا لمكتب المدعي العام الاتحادي، الذي يستطيع في كل وقت تكليف المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بتحقيقات تتعلق معظمها بالاشتباه في الإرهاب والتجسس والتخريب. وكثيرًا ما تؤدي نتائج تحقيقات المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية إلى اتهامات وإدانات. شهدت ألمانيا في عام 2019 جريمة قتل رجل جورجي رميًا بالرصاص في قلب برلين وأثارت اهتمامًا دوليًا. وبحسب قناعة المحكمة فإنَّ الجاني، الذي حكمت عليه بالسجن المؤبد، كان يعمل بتكليف رسمي من روسيا.
ويركز المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية على مجالات أخرى من بينها مكافحة التطرف اليميني. فعندما كشفت خلية النازيين الجدد (NSU) الإرهابية عن نفسها في عام 2011، تولى المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية التحقيق في سلسلة جرائم القتل التي ارتكبنها هذه الخلية وكان يكتنفها الظلام لفترة طويلة وقد سقط ضحيتها تسعة رجال من أصول مهاجرة وشرطية.
خلية النازيين الجدد و”فشل تام من الدولة”
تمكنت خلية النازيين الجدد الإرهابية من تنفيذ جرائم قتل في جميع أنحاء ألمانيا من دون اكتشافها طيلة 13 عامًا. وكان هذا بحسب تقييم لجنة تحقيق تابعة للبرلمان الألماني “فشلًا تامًا من الدولة”. وهذا الاتهام كان موجهًا بشكل خاص إلى سلطات أمنية، وأيضًا إلى المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية. ونتيجة لذلك حدثت تغييرات هيكلية أدت في عام 2012 إلى إنشاء المركز المشترك لمكافحة التطرف والإرهاب (GTEZ). وتشابه اسمه مع اسم المركز المشترك لمكافحة الإرهاب (GTAZ) ليس صدفة، وذلك بسببب التعاون الوثيق في كلا المركزين بين الشرطة وأجهزة الاستخبارات.
وكذلك يواصل المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية تعزيز اتصالاته على الصعيد الدولي. ويتعاون بشكل وثيق جدًا مع وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال إنفاذ القانون (يوروبول). وتركز محاور العمل الرئيسية في هذا التعاون على مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وإساءة معاملة الأطفال وكذلك الجرائم الإلكترونية والاتجار بالبشر. وينعكس هذا التعاون العالمي أيضًا في حقيقة وجود ضباط اتصال يعملون في أكثر من 50 دولة، وعادة ما يتم دمجهم تنظيميًا في السفارات الألمانية بالخارج.
زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي
وفي الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيسه، يستذكر المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية تاريخًا حافلًا بالأحداث، ويجد نفسه اليوم في عصرنا الرقمي أمام تحديات أكبر بكثير من ذي قبل. وفي حفل أقيم بمدينة فيسبادن، وعد المستشار فريدريش ميرتس (من الحزب المسيحي الديمقراطي) بمواصلة دعم المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية والأجهزة الأمنية. وقال ميرتس: “لم يعد من الممكان فصل الأمن الداخلي عن الأمن الخارجي”، مبرّرًا بذلك زيادة التسليح أيضًا في المجال التكنولوجي.
من المعروف أنَّ المجرمين في داخل ألمانيا وخارجها يصبحون باستمرار أكثر احترافية، وذلك أيضًا بواسطة الذكاء الاصطناعي. ولذلك يطالب منذ فترة طويلة رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، هولغر مونش، بصلاحيات أكثر. ويريد وزير الداخلية الاتحادي، ألكسندر دوبريندت (من الحزب المسيحي الاجتماعي)، تحقيق هذا الطلب والسماح باستخدام برنامج المراقبة الأمريكي المثير للجدل “بالانتير”.
حزب اليسار يحذّر من المراقبة الجماعية
ومن المقرر أيضًا استخدام برنامج مدعوم بالذكاء الاصطناعي للتعرّف البيومتري على الوجوه. ولذلك فقد حذّرت كتلة حزب اليسار المعارض في البرلمان الألماني من المراقبة الجماعية. وانتقدت المتحدثة باسم الحزب لشؤون السياسة الداخلية، كلارا بونغر قائلة: “هذا النوع من التحديث الرقمي بالكاد يتوافق مع القانون الأوروبي، ويهدّد حرية الجميع”.
وضمن هذا السياق تم رفع العديد من الدعاوى القضائية ضد المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية. وقد حكمت المحكمة الدستورية الاتحادية آخر مرة في عام 2024 بأنَّ مراقبة الأشخاص الذين يوصفون بأنَّهم “منافسون” للمشتبه بهم تعتبر مخالفة للدستور جزئيًا. وفي الوقت نفسه تم تعديل قانون المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية بهدف تحسين حماية الحقوق الأساسية للأشخاص المحتمل تأثرهم.
أعده للعربية: رائد الباش
Source link



