سباق مع الزمن ـ مخزون أنظمة الدفاع الجوي على حافة النفاد

تخطط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعقد اجتماع مع كبار المسؤولين التنفيذيين في أكبر شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية في البيت الأبيض يوم الجمعة (السادس من مارس/ آذار 2026) لمناقشة تسريع إنتاج الأسلحة، في الوقت الذي تعمل فيه وزارة الدفاع (البنتاغون) على إعادة ملء المخزونات بعد الغارات على إيران وعدد من العمليات العسكرية الأخرى في الآونة الأخيرة.
ويؤكد الاجتماع على الحاجة الملحة التي تشعر بها واشنطن لتعزيز مخزونات الأسلحة بعد أن استهلكت العملية العسكرية الأمريكية في إيران كميات كبيرة من الذخيرة. ومنذ غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 وبدء إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة، استهلكت الولايات المتحدة مخزونات أسلحة بمليارات الدولارات، بما في ذلك أنظمة مدفعية وذخيرة وصواريخ مضادة للدبابات. واستهلكت العمليات في إيران صواريخ أطول مدى من تلك التي تم تزويد كييف بها.
ولتبديد المخاوف من نفاد الذخيرة قال ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين إن هناك “إمدادات غير محدودة تقريبا” من الذخائر الأمريكية وإن “الحروب يمكن خوضها ‘إلى الأبد’ وبنجاح كبير باستخدام هذه الإمدادات فقط”.
من يملك المخزون الأكبر يصمد
لكن رغم تطمينات ترامب، يحذر خبراء من استنزاف مخزونات الذخيرة وخاصة الدفاعية منها، لدى إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين. فمنذ اندلاع الحرب، تتوالى المشاهد التي ترصد صواريخ إيرانية تدمر في الجو أو أعمدة دخان تتصاعد عند وصولها إلى أهدافها في إسرائيل أو الأردن أو دول الخليج.
وخلال أول يومين من الحرب، أطلقت طهران نحو 400 صاروخ وحوالى ألف طائرة مسيرةباتجاه الإمارات والكويتوالبحرين وقطر والأردن، حسب بيانات جمعتها شركة “مينتل وورلد” المتخصصة في استخبارات المصادر المفتوحة، من دون احتساب الصواريخ التي استهدفت إسرائيل، الهدف الرئيسي لطهران.
ولاعتراض هذه الهجمات، كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج إطلاق صواريخ من أنظمة الدفاع الجوي “ثاد” و”آرو-3″ و”باتريوت“. وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كاين إن هذه الأنظمة “اعترضت مجتمعة مئات الصواريخ الباليستية التي كانت تستهدف القوات الأمريكية وشركاءنا والاستقرار الإقليمي”، مؤكدا أن منظومات الدفاع الجوي والصاروخي “تعمل تماما كما هو مخطط”.
لكن إلى متى يمكن أن يستمر ذلك؟ يرى الجنرال الأمريكي المتقاعد سكوت بنديكت، الذي يعمل حاليا خبيرا في معهد الشرق الأوسط أن “الأمر سيتوقف على من يملك المخزون الأكبر من الذخيرة”.
استهداف منصات الإطلاق
على الجانب الإيراني، وبعد حرب الاثني عشر يوما التي اندلعت في حزيران/ يونيو، تقدر مخزونات الصواريخ القادرة على ضرب إسرائيل، بحسب خبراء، بما يتراوح بين بضع مئات ونحو ألفي صاروخ. ويضاف إلى ذلك عدد كبير من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، مثل “شهاب-2” و”فاتح-313″، القادرة على بلوغ دول الخليج.
وتستخدم طهران منصات إطلاق متحركة، دمر معظمها خلال حرب حزيران/ يونيو، وهي حاليا هدف لعمليات تعقب إسرائيلية وأمريكية. ويتمثل الهدف في “استهداف الرامي بدلا من السهام”، على حد تعبير وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث.
ويلاحظ الباحث في “مؤسسة البحث الاستراتيجي” إتيان ماركوز أن الرشقات الإيرانية تبدو أقل كثافة مقارنة بالمواجهات السابقة في نيسان/ أبريل وتشرين الأول/ أكتوبر 2024 وحزيران/ يونيو 2025. وقال إن “تدني كثافة الرشقات يثير تساؤلات بشأن قدرات إيران الهجومية: هل تحتفظ بمخزونها لإطالة أمد النزاع واستنزاف خصومها، أم أنها لم تعد قادرة على تنفيذ ضربات منسقة؟”.
وأضاف أن “عددا غير قليل من الصواريخ لا يزال ينجح في اختراق الدفاعات، ما قد يشير أيضا إلى أن هذه الدفاعات لم تعد محكمة كما كانت، وأن الإسرائيليين يدركون بدورهم ضرورة الصمود عبر الاقتصاد في استخدام صواريخ الاعتراض”.
استنزاف قدرات إيران
يؤكد وزير الحرب الأمريكيبيت هيغسيث أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمتلكون كميات كافية من صواريخ الاعتراض للصمود على المدى الطويل.
وقال إن واشنطن حرصت “لأشهر طويلة، وقبل بدء الانتشار، على توفير أقصى قدر من القدرات الدفاعية في مسرح العمليات، بما يمنح الرئيس (دونالد ترامب) هامش المناورة اللازم لاتخاذ قراراته المستقبلية”. ويرى الخبير العسكري بنديكت أن الولايات المتحدة تمتلك “على الأرجح الذخائر اللازمة” لاستنزاف القدرات الهجومية الإيرانية.
لكن المهاجم يتمتع بميزة أن اعتراض كل صاروخ باليستي يتطلب إطلاق “ما لا يقل عن صاروخين اعتراضيين” تحسبا لأي خلل، وربما أكثر في حال فشل المحاولة الأولى، بحسب ماركوز. كما أن إنتاج هذه الصواريخ الباهظة الكلفة محدود، رغم توقع زيادة وتيرته في السنوات المقبلة، إذ يُنتج سنويا نحو 96 صاروخا من طراز “ثاد” وحوالى 600 صاروخ “PAC-3 MSE” المخصص لمنظومة “باتريوت”.
ربما تملك الولايات المتحدة مخزونا كافيا وتزيد الشركات الدفاعية انتاجها، لكن الوضع بالنسبة للدول الخليجية حرج. فبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ بعد أربعة أيام من الحرب، لم يبق لدى قطر سوى صواريخ باتريوت لما يكفي أربعة أيام فقط، كما تبدو الوضعية في البحرين مشابهة نظرا لصغر قدرات دفاعها الجوي أساسا.
استخدام الليزر ضد المسيرات
وتطلق إيران وابلا من الصواريخ وأسراب الطائرات المسيرة على السعودية والإمارات، وقد حققت أنظمتها الدفاعية الأمريكية المتطورة معدلات إسقاط جيدة. فقد أسقطت الإمارات 152 صاروخا باليستيا من أصل 165، إضافة إلى صاروخي كروز و506 طائرات مسيرة من أصل 541، أي بنسبة إجمالية بلغت 92 بالمئة، لكن هناك قلق من عدم استمرار نسبة الإسقاط الجيدة هذه، وذلك بسبب تراجع مخزونات الأسلحة الاعتراضية.
والمشكلة الأكثر بالنسبة لدول الخليج هو التصدي للطائرات المسيّرة. فبالرغم من الدروس المستقاة من حرب أوكرانيا، يبدو أن العديد من الدول لم تستعد لطائرات “شاهد” الإيرانية الشهيرة، وهي الآن أمام معضلة: إما إسقاط المسيرات الرخيصة لتجنب مشاهد المباني والفنادق المحترقة، أو توفير الصواريخ باهظة الثمن للأهداف الكبرى.
وللتخفيف من مشكلة تراجع مخزونات الذخيرة الدفاعية، يلجأ الإسرائيليون والأمريكيون لاستخدام الليزر ضد المسيرات الصغيرةذات الشحنة الناسفة الضعيفة مقارنة بالصواريخ. وتمتاز هذه الأنظمة بأنها لا تحتاج ذخيرة غالية بل تحتاج مصدر طاقة فقط. لكنها لا تزال جديدة نسبيا ولم تُنتج بكميات كبيرة بعد.
ونقلت مجلة دير شبيغل الألمانية عن خبيرة الدفاع كيلي غريكو من مركز ستيمسون، تقديرها أن لدى الولايات المتحدة نحو 200 صاروخ ثاد في الشرق الأوسط، إذا كانت قد أرسلت نصف مخزونها هناك. وبمعدل إطلاق 8 إلى 12 صاروخا يوميا، ستكفي هذه لمدة 24 يوما فقط. وتقديرات صواريخ SM‑3 ليست أفضل بكثير، إذ قد تكفي 34 يوما كحد أقصى. وتدرس الولايات المتحدة إمكانية نقل مزيد من أنظمة الدفاع الجوي من آسيا إلى الشرق الأوسط، ما قد يعرض تايوان أو كوريا للخطر.
نجدة من أوروبا وأوكرانيا
وأعلنت إسرائيل تدمير عدد كبير من منصات إطلاق الصواريخ، ما قد يقلل من الهجمات الإيرانية في الأيام المقبلة. لكن يبقى من غير المؤكد إن كان ذلك كافيا، إذ يُعتقد أن إيران تخزن صواريخها في منشآت عميقة تحت الأرض. وقد كان لدى إيران قبل الحرب ما بين 2000 إلى 2500 صاروخ باليستي. تقول كيلي غريكو: “القاعدة العسكرية تنص على استخدام صاروخي اعتراض على الأقل لكل صاروخ واحد”.
وتستعد فرنسا لإرسال حاملة الطائرات شارل ديغول وفرقاطاتها المرافقة إلى البحر المتوسط للتمركز قرب فيرص وهي مزودة بصواريخ Aster التي تم استخدامها في أوكرانيا أيضا، رغم أنها أقل فعالية من نظام باتريوت في اعتراض الصواريخ البالستية.
كما من المتوقع أن تستفيد دول الخليج من خبرة أوكرانياالكبيرة في الدفاع الجوي والتعامل مع مسيّرات “شاهد” الإيرانية، حيث طور الأوكرانيون وسائل رخيصة وفعالة تشمل الطائرات الاعتراضية المسيرة ووحدات الرشاشات المتنقلة.
يبدو أن إيران تدرك معضلة الذخيرة هذه، لذلك تسعى إلى استنزاف مخزون الدفاع الجوي لدى خصومها باستخدام صواريخ رخيصة، ثم استخدام صواريخ أغلى وطائرات مسيّرة أكثر. ومع أفضل صواريخها قد تستهدف طائرات مقاتلة على الأرض، بينما يمكن للمسيرات ضرب أهداف ثابتة أو المدنيين.
تحرير: حسن زنيند
Source link



