زيارة ميرتس لواشنطن ـ اختبار لمعادلة المبادئ والمصالح!

يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس معضلة كبيرة بشأن تعامله مع الحرب في إيران، فمرجعيته تقوم من جهة ،على رؤية أوروبية للنظام والقانون الدوليين. ومن جهة أخرى، البرغماتية في التعامل مع سياسة إدارة أمريكية تعتمد على قانون القوة. جدول أعمال الزيارة تغيرت أولياته، فبعد أن كانت تتضمن ملفات التجارة وأوكرانيا والناتو، جاء التصعيد مع إيرانليجسد ما وصفه ميرتس قبل سفره إلى واشنطن بـ”كثافة غير مسبوقة من الحروب والتحولات”. واستأثرت زيارة ميرتس باهتمام الإعلام الألماني، ففي تقرير مفصل حلل موقع “تاغسشاو” الألماني التابع للقناة الألمانية الأولى (الثالث من مارس / آذار 2026) رهانات هذه الزيارة والمعضلات المترتبة عنها.
وذكر الموقع أن اللقاء الأول بين الرجلين في البيت الأبيض عام 2025، استحوذ فيه ترامب على 36 دقيقة من الكلام من أصل 40 استغرقها اللقاء، ولم يتبق للمستشار سوى نحو 230 ثانية. وقد يتمنى ميرتس في قرارة نفسه، أن يعيد دونالد ترامب الكَرة، ما سيقلل حاجته للكشف عن مواقف علنية في موضوع حساس. وكان ميرتس قد أوضح أن التعويل على التمسك الصارم بالقانون الدولي لم يؤد دائما إلى النتائج المرجوة، وأن الحكومة الألمانية تستخلص من ذلك استنتاجات عملية لسلوكها المستقبلي. الرسالة الضمنية لهذا التصريح هو أنه لن تكون هناك محاضرات أو توبيخ للحلفاء داخل المكتب البيضاوي، بل تعاط واقعي يراعي موازين القوى.
الأسباب الحقيقة للحرب على إيران؟
يتوقع خبير شؤون السياسة الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، رولف موتسينيش، من المستشار الألماني ميرتس أن يبحث مع الرئيس ترامب أيضا عن أهداف الهجمات على إيران. وقال موتسينيش في تصريحات لإذاعة “دويتشلاند فونك” الألمانية (الثالث من مارس) إنه ينبغي كذلك بحث ما إذا كان وقف لإطلاق النار قد يسهم في احتواء النزاع. وأضاف موتسينيش أن المبررات المقدمة للهجمات على إيران تتغير حاليا، إذ تسقط أسباب وتظهر أخرى جديدة، موضحا أنه “فرك عينيه دهشة” لأن إسرائيل، بعد الهجمات التي شنتها الصيف الماضي على منشآت نووية إيرانية، تقول الآن إنها اضطرت إلى تنفيذ هجوم استباقي.
وأكد موتسينيش أن القصف لمجرد أهداف مستقبلية “لا يتوافق مع القانون الدولي”. ولا تشارك ألمانيا في الهجمات، شأنها شأن بقية الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو. وقال موتسينيش إن موقف الحكومة الألمانية تجاه إيران والقانون الدولي يقوم على “أساس مهتز”.
من جانبه، دعا خبير شؤون السياسة الخارجية في الحزب الديمقراطي المسيحي، رودريش كيزيفيتر، الحكومة الألمانية إلى تقديم دعم أكبر للولايات المتحدة وإسرائيل في تحركهما ضد إيران، وقال في تصريحات لصحيفة “أوغسبورغر ألغماينه” الألمانية “يجب أن ندعم الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل كامل وفعال في تحركهما الحازم”.
وأضاف كيزيفيتر “لدينا قدرات ووسائل محدودة للغاية، لكن بالتنسيق مع شركائنا يمكننا كأوروبا أن نقدم المزيد إذا توفرت الإرادة لذلك”، موضحا أن ذلك قد يشمل “الدعم في البنية التحتية واللوجستيات، على سبيل المثال عبر التزود بالوقود جوا والرعاية الطبية والاستطلاع، وصولا إلى المشاركة الفعلية في الدفاع الجوي وحتى اتخاذ إجراءات هجومية لتعطيل ومكافحة البنية التحتية العسكرية للنظام الإيراني”.
الدبلوماسية الألمانية بين القيم والمصالح
يرى نوربرت روتغن القيادي البارز في الحزب الديموقراطي المسيحي والخبير في العلاقات الخارجية أن ما يربط ألمانيا بالولايات المتحدة حاليا هو المؤسسات أكثر من العلاقات الشخصية، وعلى رأس هذه المؤسسات حلف الناتو. أما ميرتس فيتحدث عن “واقعية أوروبية متمسكة بالمبادئ”، وهو تعبير يحاول الجمع بين القيم والمصالح. روتغن يُلخص مقاربة ترامب بالقول “هذا الرئيس يحتقر الضعف، لكنه يحترم القوة”. وبحسب ما نُقل عنه من محادثات مع أطراف أميركية، فإن ميزان القوة هو اللغة التي يفهمها ترامب، وهي العملة السياسية الأهم في تعامله مع الشركاء.
إلى جانب إيران، تظل فوضى الرسوم الجمركية قائمة، كما يبقى الغموض مخيمًا حول موقف ترامب من مسار الحرب في أوكرانيا ولا تُنسى تهديداته السابقة بشأن غرينلاند، ولا نظرته الانتقادية إلى الاتحاد الأوروبي الذي يراه ضعيفًا سياسيًا وخصمًا اقتصاديًا.
ويلتقي ميرتس بترامب بعد عودته من الصين برفقة وفد اقتصادي كبير، وبصفقة ضخمة لشركة “إيرباس”. وتراقب واشنطن بحذر كيفية تموضع برلين وأوروبا في علاقتها مع بكين، خاصة مع إعلان ترامب نيته زيارة الصين قريبًا.
يُعتبر ميرتس، إلى جانب رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، من القادة الأوروبيين القلائل الذين يتمتعون بإمكانية وصول مباشر إلى ترامب، في وقت تراجعت فيه مكانة إيمانويل ماكرون لدى الرئيس الأميركي. وقد أثار دعم ميرتس لرفع الإنفاق الدفاعي في حلف الناتو إلى خمسة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي اهتمام ترامب، إذ ينسجم ذلك مع مطالبته المستمرة بزيادة مساهمة الحلفاء الأوروبيين في الأعباء الدفاعية.
تحرير: عادل الشروعات
Source link



