الارتباط الاقتصادي بين ألمانيا والصين .. ضرورة أم مخاطرة؟ – DW – 2025/11/30

يرى ماتياس روت أنَّ الانسحاب من الصين غير وارد – حتى وإن كانت حكومة برلين تحذّر من مخاطر الاستثمارات المرتفعة في هناك. وبصفته مدير شركة “تراديوم” لتجارة المواد الخام، والتي تعمل في المعادن النادرة ومقرها في فرانكفورت، تبقى الصين جزءًا أساسيًا في هذه التجارة، وذلك لأنَّ بكين تهيمن بشكل شبه كامل على قطاع المعادن الأرضية النادرة الذي تزداد أهميته باستمرار.
وحول ذلك قال لـDW: “إذا كانت الصين تُغطي مثلًا أكثر من 95 بالمائة من سوق المعادن النادرة، فهذا أمر لا يمكن تعويضه على المدى القصير. وهذه علاقات تجارية طويلة وموثوقة، والمواد والعمليات معتمدة”.
بالنسبة لروت ولكثير من الشركات الأخرى في ألمانيا تبقى الصين شريكًا تجاريًا واضحًا. ولفترة طويلة، دعمت الحكومة الألمانية هذا الموقف وعززته بشكل كامل. لكن التحول السلطوي في الصين تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ – والذي أدى أيضًا إلى دعم الصين لروسيا في حرب أوكرانيا – قد غيّر العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.
“الحديث مع الصين”
لقد تغير الوضع الجيوسياسي، والحكومة الألمانية تتحدّث منذ بضع سنين عن تقليل المخاطر في الأعمال التجارية مع الصين، لأسباب من بينها المخاطر التي تواجهها الشركات الأجنبية بسبب الإجراءات الصارمة من جانب السلطات الصينية. وحول الشركات الألمانية التي تعمل في الصين، قال مؤخرًا المستشار فريدريش ميرتس: “أنا أقول لهم دائمًا عندما ألتقي بهم: هذه مخاطرتكم. وعند حدوث خطأ ما، لا تأتوا إلينا”.
في منتصف هذا الشهر (نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) زار وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل الصين لمناقشة العلاقات الاقتصادية المتطوّرة بين البلدين. وقال في بكين إنّ ألمانيا ترى “المنافسة العادلة والوظائف المرتبطة بالصناعة في خطر”. ولكنه شدد على ضرورة الحوار قائلا: “يجب علينا الحديث مع الصين بدل الحديث عنها”.
أكبر شريك تجاري
الصين بالنسبة لألمانيا شريك من الصعب على الصناعة الألمانية التخلي عنه – وذلك لسبب وجيه. ففي منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، تجاوزت الصين الولايات المتحدة الأمريكية وأصبحت من جديد أهم شريك تجاري لألمانيا. وبلغ حجم التجارة بين البلدين في الفترة بين يناير/ كانون الأول وسبتمبر/ أيلول هذا العام 185.9 مليار يورو. ومنذ عقود من الزمن، تعطي الشركات الصناعية الألمانية الرائدة الأولوية للسوق الصينية الضخمة، وما يزال حجم الاستثمارات مرتفعًا.
وبحسب دراسة حديثة من معهد ميركاتور لدراسات الصين في برلين فقد شكّلت الاستثمارات الألمانية المباشرة في النصف الأول من عام 2024 نسبة 57 بالمائة من إجمالي استثمارات الاتحاد الأوروبي في الصين، أي ما يعادل نحوي 2.3 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الألماني. وتكشف الدراسة عن أنَّ حجم الاستثمارات يواصل نموه، فقد ارتفعت استثمارات الشركات الألمانية بمقدار 1.3 مليار يورو من عام 2023 حتى عام 2024.
سيارات ألمانية في الصين
وتعتبر صناعة السيارات من القطاعات التي ترتبط فيها ألمانيا والصين مع بعضهما البعض بقوة. فمثلًا شركتا فولكسفاغن (VW) وبي إم دبليو (BMW) استثمرتا على مر السنين مليارات اليورو في الصين وحققتا أرباحًا، وما تزالان تأملان في تحقيق نجاح طويل الأمد على الرغم من الصعوبات الأخيرة.
استثمرت بي إم دبليو مؤخرًا 3.8 مليار يورو في مشروع بطاريات في شنيانغ، وقد أبلغت DW بعدم وجود خطط كبيرة للانسحاب من الصين. “مجموعة بي إم دبليون ممثلة في السوق الصينية من خلال مشروعين مشتركين وهي تدير العديد من المصانع هناك”، كما قالت لـDW المتحدثة باسم بي إم دبليو بريتا أولريش، وأضافت: “نحن نتبع في سوقنا الأكبر في العالم للبيع بالتجزئة استراتيجية تسويقية طويلة الأمد، ونقوم بمراجعتها بانتظام وتعديلها إذا اقتضت الضرورة. ولا يتغير شيء جوهري في أنشطتنا في المنطقة”.
لكن العلاقات تتغير ليس لأسباب جيوسياسية فقط. والمنافسة الشديدة مع منافسين صينيين والشكوك في أنَّ هذه المنافسة مشوهة جزئيًا من خلال ممارسات مشبوهة من الجانب الصيني، تُقوّض قواعد التجارة العالمية.
“من الضروري وجود ظروف تنافسية متساوية وقواعد عادلة من كلا الجانبين”، كما قال لـ DW متحدث باسم الاتحاد الألماني لصناعة السيارات، مضيفا: “الصين مطالبة ضمن هذا السياق بتقديم مقترحات بناءة إلى أوروبا، ومنع السلوكيات المخالفة للمنافسة بشكل حازم وسريع، وضمان التجارة الحرة في الوضع الحالي”.
الضغط يزداد
وعلى الرغم من أهمية الصين بالنسبة للاقتصاد الألماني، إلا أنَّ الضغط المالي يزداد. فقد انخفضت الصادرات الألمانية إلى الصين منذ عام 2019 بنسبة 25 بالمائة، في حين تراجعت حصص مصنعي السيارات الألمانية فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس في السوق بشكل كبير خلال السنين الأخيرة بسبب التوسع الضخم في إنتاج السيارات الكهربائية الصينية.
وقد أضاف المتحدث باسم الاتحاد الألماني لصناعة السيارات أنَّ تقليل المخاظر الضروري يتم دفعه إلى الأمام بقوة وتطبيقه من قبل شركات صناعة السيارات، ولكن يجب أيضًا تمكين ذلك سياسيًا وليس فقط المطالبة به. وأكد كذلك على أنَّ تقليل المخاطر لا يجب أن يعني عزل الأسواق. وقال إنَّ “أفضل استراتيجية هي القيام بكل شيء من أجل تعزيز موقع الشركات وقدرتها التنافسية ونموها”.
واقع السوق القاسي
ويقول ماتياس روت، تاجر المعادن النادرة، إنَّ علاقاته التجارية في الصين تتأثر أيضًا بالتوترات الجيوسياسية، موضحاً أنَّ “الصعوبات الحالية سببها الرئيسي هو القرارات السياسية، وليس الموردين أنفسهم”. وأضاف أنَّ عمله يعاني بشكل خاص من القيود الشديدة التي تفرضها بكين على تصدير المعادن النادرة، وهذا يؤدي أيضًا إلى إحباط مورديه “الذين يضطرون أيضًا إلى مواجهة سلبيات وتحديات قيود التصدير الحالية”.
ولكنه بحسب تعبيره لم يضطر إلى إعادة تنظيم أعماله من جديد في الصين بسبب الضغط السياسي، بل بسبب الواقع القاسي لضغط السوق، الذي زاد من خلال الرسوم الجمركية العالمية والقيود التي فرضتها الصين على التصدير.
“هذا يعني بالنسبة لمورّد مثلنا أنَّ إجراءات الشراء المتبعة منذ سنين طويلة لم تعد تعمل بشكل موثوق كما كانت في السابق”، كما يقول. ويضيف روت: “نحن مستمرون في الاعتماد على شركائنا الصينيين الذين نعتمد عليهم منذ سنين طويلة، وذلك لأنَّ الصين لا غنى عنها في الكثير من المواد الخام”.
ومع ذلك فإنَّ شركته تستثمر بشكل متزايد وقتًا وجهدًا في استغلال إمكانيات التوريد خارج الصين. ويقول: “هذا لا يتعلق بتوجيهات سياسية. السوق تجبر كل تاجر جاد وكل شركة مُصنّعة للمواد الخام على إعادة النظر في استراتيجية الشراء الخاصة بها – وهذا الضغط سيزداد باستمرار. وهذا هو الواقع اليومي”.
أعده للعربية: رائد الباش
Source link



