صدمة النفط ـ أسعار الطاقة تكبح استراتيجية ترامب ضد إيران

بدأت ارتدادات الحرب في إيران تتحول إلى أزمة عالمية، بعد تفاقم الهجمات على منشئات النفط وناقلاته في منطقة الخليج. وبات مضيق هرمز غير آمن بالنسبة لسفن الشحن التي تتعرض لهجمات منظمة. وهو المعبر الذي تمر منه 20% من تجارة النفط في العالم. الإغلاق العملي لهذا الشريان الحيوي يحمل رسائل استراتيجية واضحة هدفها زعزعة أسواق الطاقة في العالم.
ولهذا السبب سارعت حكومات عدة، بينها الحكومة الألمانية بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، إلى الإفراج عن جزء من احتياطياتها النفطية في محاولة لتهدئة الأسواق. إجراء قد يمنح الأسواق استقرارا مؤقتا يجعلها تلتقط أنفاسها، إلا أنه لا يعالج أصل المشكلة المرتبط بالأمن الجيوسياسي في المنطقة. لقد وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يكون رئيسا للرفاهية ولسلام ووعد بعدم توريط بلاده مرة أخرى في حروب جديدة.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “وول ستريت جورنال” (العاشر من مارس/ آذار 2026) “هل حان الوقت للرئيس دونالد ترامب لإنهاء القصف وإعلان النصر في النزاع مع إيران؟ بالنظر إلى حالة الذعر في واشنطن بسبب ارتفاع أسعار النفط (..) من المرجح أن تتعالى الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب، بما في ذلك من جانب الجمهوريين الذين يخشون أن تؤثر أسعار الوقود المرتفعة على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر”.
غير أن الصحيفة استطردت محذرة “ترامب لا يحتاج إلى الإطاحة بالنظام (الإيراني) ليصف العملية العسكرية بالناجحة. لكن إيقافها الآن في ظل الصعوبات الاقتصادية قصيرة الأجل، سيكون انتصاراً للملايين من رجال الدين (في الجمهورية الإسلامية). لا يجب السماح لهم بالاعتقاد أن تعطيل إمدادات النفط هو وصفة للبقاء في الحاضر والمستقبل”.
أسعار النفط والتكلفة السياسية للحرب
بعض خبراء أسواق الطاقة يتوقعون وصول سعر برميل النفط إلى نحو 150 دولاراً إذا استمر التصعيد. ومن منظور سياسي، يشكل ذلك خطرا محدقا على إدارة ترامب، لأن ذلك ينعكس مباشرة على حياة المواطنين الأمريكيين. وتشير تقديرات في واشنطن إلى أن الإدارة قد تتمكن من تحمل هذه الضغوط لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أسابيع فقط قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة سياسية حقيقية.
وهذا يوضح أن الزمن أصبح عاملاً حاسماً في إدارة الأزمة: فكلما طال أمد الصراع، زادت كلفته السياسية على البيت الأبيض.
وبهذا الشأن كتبت صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” الألمانية (العاشر من مارس/ آذار) معلقة “يشعر المستثمرون بالقلق إزاء ارتفاع التضخم وتباطؤ الاقتصاد، في حال بقاء أسعار النفط عند مستواها المرتفع لفترة طويلة”. واستشهدت الصحيفة برأي وارن باترسون، خبير ومدير استراتيجية السلع في بنك (ING) الذي أوضح أنه “طالما تعطل نقل النفط عبر مضيق هرمز، ستستمر أسعار النفط في الارتفاع”.
وذهبت توقعات بنك (Metzler) في نفس الاتجاه التي اعتبرت أنه “كلما طال إغلاق مضيق هرمز، زادت الحاجة إلى تقليص الإنتاج في المنطقة”. الضغط على الأسواق ظهر بوضوح عندما تجاوز سعر النفط خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي حاجز 120 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع السريع لم يقتصر تأثيره على الأسواق المالية، بل وصل مباشرة إلى محطات الوقود، حيث ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة خلال أسبوع واحد بنحو 51 سنتاً للغالون.
مثل هذه الزيادات تؤثر بقوة على المزاج العام للناخبين، لأن تكلفة الطاقة ترتبط بسلسلة واسعة من الأسعار الأخرى، مثل النقل والغذاء.
حالة طوارئ في واشنطن؟
بادرت الإدارة الأمريكية، على عجل، إلى تشكيل فريق اقتصادي لمواجهة هذه الأزمة، يضم وزراء الطاقة والخزانة والداخلية، إلى جانب مجلس الطاقة في البيت الأبيض. وحاول المسؤولون الأمريكيون تهدئة المخاوف، مشيرين إلى أن بعض الارتفاعات قد تكون ناتجة عن مضاربات في السوق، في محاولة لطمأنة الرأي العام والأسواق بأن الوضع ما زال تحت السيطرة.
الرئيس ترامب بادر إلى القول بما معناه بأن الحرب تقترب من تحقيق أهدافها وبالتالي لن تطول. وبعدها انخفض سعر النفط إلى نحو 80 دولاراً للبرميل، فعاد قدر من التفاؤل إلى واشنطن. هذا الانخفاض الهش جعل البيت الأبيض يتنفس الصعداء ولو إلى حين، فأسعار الطاقة بطبيعتها شديدة التقلب وتتأثر بسرعة بالأحداث العسكرية أو حتى بالتصريحات السياسية. ولهذا ترى الإدارة أنها تحتاج إلى مراقبة الأسعار لعدة أسابيع قبل التفكير في تعديل سياساتها أو استراتيجيتها العسكرية.
موقع esyoil المتخصص في شؤون النفط كتب (العاشر من مارس) معلقا “مع ذلك، يحذر تجار النفط والمحللون من إطلاق صافرة الأمان في هذه المرحلة المبكرة. لا يزال مستقبل مضيق هرمز غير واضح، ومن غير المؤكد ما إذا كانت البحرية الأمريكية قادرة على تأمين عبور ناقلات النفط هناك وبالتالي، لا يزال سوق النفط يفتقد نحو 15 إلى 20 مليون برميل يوميا، أي ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية. وفي كل الأحوال، سيستغرق الأمر عدة أسابيع قبل أن يعود تدفق النفط من المنطقة إلى وضعه الطبيعي بالكامل، مما يجعل العودة السريعة إلى أسعار ما قبل الحرب غير مرجحة”.
ألمانيا ـ سحب الاحتياطيات لتهدئة الأسواق
أوصت وكالة الطاقة الدولية بإطلاق كميات هائلة من الاحتياطيات الاستراتيجية للتخفيف من حدة إحدى الصدمة الحالية لأسعار النفط، وذلك تزامنا مع ما أشارت إليه تقارير (11 مارس) إلى استهداف ثلاث سفن في الخليج من قبل الحرس الثوري الإيراني. وأوصت الوكالة الدولية، التي تضم الدول الرئيسية المستهلكة للنفط، بسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية العالمية لتحقيق الاستقرار في الأسعار، في أكبر تدخل من نوعه في التاريخ، والذي حظي بتأييد سريع من واشنطن.
لكن الوتيرة الممكنة لضخ تلك الكميات لن تغطي سوى جزء ضئيل من الإمدادات عبر مضيق هرمز. وبلهجة يطبعها التحد قال إبراهيم ذو الفقاري المتحدث باسم “مقر خاتم الأنبياء العسكري” في طهران “استعدوا لوصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، لأن سعر النفط يعتمد على الأمن الإقليمي الذي زعزعتم استقراره”.
توصية الوكالة الدولية للطاقة تبعه تفاعل مباشر من قبل عدد من الدول، فبعد اليابان، أعلنت ألمانيا والنمسا أنهما ستفرجان عن نفط من احتياطياتهما قدرها 400 مليون برميل للمساعدة في السيطرة على أسعار الطاقة. وكان أكبر إفراج جماعي عن مخزونات الطوارئ للدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة يبلغ 7.182 مليون برميل، في أعقاب صدمة قطاع الطاقة التي أحدثها الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022. وأكدت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه (11 مارس/ آذار) هذا القرار.
وبهذا الصدد كتب موقع “فوف” الاقتصادي الألماني (التاسع من مارس/ آذار) معلقا: “على الرغم من تزايد استخدام مصادر الطاقة المتجددة في السنوات الأخيرة، تظل االطاقة الأحفورية متجذرة بقوة في الاقتصاد العالمي. وتشكل كل من السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والعراق، وإيران، الأساس لسلاسل التوريد التي تغذي كل شيء (..) وتبقى المدة الزمنية هي المتغير الحاسم في أسواق الطاقة. فبينما تؤدي النزاعات القصيرة إلى تقلبات ظرفية، فإن عدم الاستقرار المستمر يُغير تدفقات التجارة، ويعيد تقييم مخاطر البنية التحتية، ويؤثر على سلوك الاستثمارات.
والسؤال الحاسم اليوم لم يعد مجرد ما إذا كانت مضيق هرمز سيُفتح مجددا، بل يتعداه إلى مدى الضرر الذي قد تلحقه إيران بالبنية التحتية الحيوية للطاقة.
مضيق هرمز ـ معضلة دونالد ترامب!
تكشف الحرب في إيران عن معضلة تجمع بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد والطاقة. فمضيق هرمز يمثل شريانا حيويا في النظام النفطي العالمي، وأي تعطيل للملاحة فيه ينعكس فورا على الأسعار وعلى الاستقرار السياسي في الدول المستهلكة للطاقة. بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، فإن التحدي لا يكمن فقط في إدارة المواجهة العسكرية مع إيران، بل في الحفاظ على استقرار الأسواق بما يكفي لتجنب رد فعل سياسي داخلي قد يؤثر على نتائج الانتخابات. وبعبارة أخرى، فإن معركة النفط قد تكون في النهاية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “Les Dernières Nouvelles d’Alsace” الفرنسية (العاشر من مارس) “مع مرور الأيام، يتضح أكثر أن الأمريكيين والإسرائيليين قد قللوا من شأن قوة الحكومة الإيرانية. فمنذ الهجمات الأولى في 28 فبراير/ شباط، والحرس الثوري يحاول زعزعة استقرار دول الخليج، باتباع استراتيجية طويلة الأمد تشمل أيضا إغلاق مضيق هرمز. هذا يمنحهم ورقة ضغط على التجارة العالمية تفوق ما قد يتوقعه المرء بالنظر إلى القوة العسكرية الفعلية لإيران (..) تجميد الملاحة البحرية في مضيق هرمز عمان سيؤدي أيضا إلى تسارع التضخم العالمي وإبطاء نمو الاقتصاد. التوترات بدأت تؤثر بالفعل على أسعار النفط، الأسمدة الزراعية، والغاز”.
تحرير: عماد غانم
Source link



