على خطى القديس أوغسطين.. لماذا اختار البابا زيارة الجزائر؟

تستعد الجزائر لزيارة البابا ليو الرابع عشر في منتصف شهر أبريل/ نيسان المقبل، في أول زيارة بابوية على الإطلاق لمسقط رأس القديس أوغسطين.
الجزائر رحّبت بزيارة البابا بعد أن أصدر الفاتيكان بياناً يوم الأربعاء الماضي، أعلن من خلاله عن زيارة البابا إلى الجزائر بدعوة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وفقاً لبيان صحفي صادر عن رئاسة الجمهورية.
ستكون الزيارة للفترة بين 13 و 15 أبريل/ نيسان وستشمل محطات في الجزائر العاصمة ومدينة عنابة الساحلية في شمال شرق الجزائر.
قالت رئاسة الجمهورية في بيانها: “ستعزز هذه الزيارة أواصر الصداقة والثقة والتفاهم بين الجزائر والفاتيكان“، وتعتقد أنها ستفتح آفاقاً جديدة للتعاون تعكس الإيمان بالسلام والحوار والعدل لمواجهة تحديات العصر، وفقاً لوكالة الأنباء الجزائرية.
يُنظر إلى هذه الزيارة على أنها علامة فارقة في العلاقات بين الفاتيكان والجزائر، كونها تحمل دلالات تتجاوز السياحة، وتصل إلى تعزيز الحوار بين الأديان وتعميق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وكان البابا ليو الرابع عشر قد سبق وأعلنَ عن نيته زيارة الجزائر في وقت سابق، وتحديداً خلال مؤتمر صحفي لدى عودته من لبنان في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، مشيراً إلى زيارة المواقع المرتبطة بأوغسطين على وجه التحديد، وفق “فاتيكان نيوز”.
وجاء في بيان الفاتيكان أن خطة سفر البابا ستشمل أيضاً زيارات إلى أنغولا والكاميرون وغينيا الاستوائية، وقبل رحلته إلى أفريقيا سيزور إسبانيا، بما في ذلك جزر الكناري، وفق وكالة فرانس برس.
لماذا الجزائر؟
تعتبر الجزائر موطن القديس أوغسطين، أحد أعظم مفكري المسيحية، كان أسقف هيبون، عنابة حالياً ورائد الفكر المسيحي، ويعدّ أحد أبرز آباء الكنيسة اللاتينية بعد القديس بولس، وتميّز بالجمع بين الفكر الكلاسيكي المسيحي والأفلاطوني، وصاغ رؤية لاهوتية وفلسفية شاملة ظلت مرجعاً لقرون طويلة.
ووفق موسوعة بريتانيكا، ولدَ أوغسطين في 13 نوفمبر 354 ميلادية في طاغاست سوق أهراس حالياً في مدينة الجزائر، وتوفي سنة 430 ميلادية في عنابة التي كانت تسمى آنذاك هيبون، ولهذا سيزور البابا ليو الرابع عشر كاتدرائية السيدة الأفريقية في الجزائر العاصمة، وكنيسة القديس أوغسطين في عنابة خلال زيارته في أبريل القادم.
وفي الجزائر، يُنظر إلى أوغسطين غالباً ليس فقط كعالم لاهوت مسيحي، بل كجزء من التراث التاريخي الوطني للبلاد، كما أن الجزائر قد أدرجت “المسارات الأوغسطينية” ضمن قائمتها التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو في أبريل/ نيسان 2025.
وسبقَ أن أعربَ البابا ليو الرابع عشر عن رغبته بزيارة الجزائر للاطلاع على المواقع المرتبطة بالقديس أوغسطين، ومواصلة “نهج الحوار وبناء الجسور بين العالمين المسيحي والإسلامي، ووصف أوغسطين بأنه “ابن الوطن ويحظى باحترام وطني”، بحسب وكالة زينيت للأنباء.
وهو ما يعكس القيم والمبادئ اللاهوتية التي يؤمن بها البابا، إذ يعدّ ليو الرابع عشر أول بابا أوغسطيني في العصر الحديث، وفي خطابه الرسمي الأول الذي ألقاه بعد انتخابه، استشهد البابا بأوغسطين مرتين، مؤكداً على أهمية الوحدة والمحبة كركائز أساسية للكنيسة.
الفاتيكان والجزائر.. علاقات دبلوماسية راسخة
وتأتي زيارة البابا أيضاً في سياق العلاقات الدبلوماسية طويلة الأمد بين الفاتيكان والجزائر، والتي بدأت عام 1972 واستمرت باستقرار نسبي.
وبالرغم من أن الجزائر دولة إسلامية دستورياً وذات أغلبية مسلمة اجتماعياً، إلا أنها حافظت على حوار منظم مع الفاتيكان، خاصة فيما يتعلّق بقضايا التعاون الثقافي والتعليم والتعايش بين الأديان.
كما أن توقيت الزيارة مهم جداً، فقد استعادت الجزائر في السنوات الأخيرة مكانتها الاستراتيجية البارزة في البحر الأبيض المتوسط، لا سيما في سياق الجغرافيا السياسية للطاقة وتحولات التحالفات الأوروبية.
ولا شك أن وجود البابا، خاصة بعد عيد الفصح مباشرة سيحمل رسالة تتجاوز الحدود الكنسية وفقاً وكالة زينيت للأنباء.
عنابة مركز التلاقي بين الأديان
يهدف البابا من زيارته إلى تعزيز الحوار بين المسيحيين والمسلمين، وخاصة من خلال زيارته إلى مدينة عنابة، هيبون قديماً، فهي تكرّم القديس أوغسطين، أحد آباء الكنيسة، وتقرّ بعمق التاريخ الجزائري، وتقدم أفضل صورة للتعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة، باحتوائها على واحدة من أشهر الكاتدرائيات في المدينة ذات الغالبية المسلمة.
وخلال الأشهر الأخيرة، تم التركيز على القديس أوغسطين في نشاطات ثقافية ودبلوماسية بين إيطاليا والجزائر، ليس فقط لكونه شخصية دينية، بل كرمز لهوية متوسطية مشتركة، وجسر يربط بين ضفتين، بين العالمين اللاتيني والعربي.
ما يعني أن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر ليست مجرّد حج ديني أو عودة إلى جذوره، بل هي بادرة دبلوماسية مدروسة، هدفها تعزيز الحوار بين الأديان.
Source link



