أمريكا وإسرائيل.. توافق على مواجهة إيران واختلاف في الطريقة

تعتبر العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وثيقة للغاية منذ عقود من الزمن. ولكن باتت تظهر دائمًا خلافات استراتيجية وتكتيكية، لا سيما في تعاملهما مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومع ذلك فإنَّ التعاون الوثيق بين الحليفين أمر بالغ الأهمية في المفاوضات الأمريكية مع إيران، (الجولة الثانية جرت اليوم الثلاثاء (17 فبراير/شباط 2026) في جنيف).
وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لديهما هدف محوري واحد هو منع إيران من أن تصبح قوة نووية ومن توسيع نفوذها الإقليمي أكثر، ومع ذلك فإنَّ مصالحهما وآفاقهما الزمنية وأساليبهما المفضلة تختلف بشكل واضح.
وهذه الاختلافات أصبحت مؤخرًا أكثر وضوحًا ضمن سياق التطورات السياسية الداخلية في إيران – مع الاحتجاجات الواسعة، التي اندلعت في كانون الثاني/يناير وتم قمعها بعنف، وكذلك مع تشديد العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، ومع تكثيف الاتصالات الدبلوماسية بين الرئيس الأمريكيدونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
اتفاق على التهديد الإيراني واختلاف على الأولويات
تنظر كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ وشبكة الميليشيات المتحالفة مع إيران وتسيطر عليها طهران في المنطقة، على أنَّها تهديدات أمنية مركزية. وبشكل عام لا يوجد بينهما خلاف جوهري، بحسب تأكيد المحلل السياسي الخبير رضا طالبي في حوار مع DW. فكلاهما، إسرائيل وأمريكا، تريدان منع إيران من أن تصبح قوة نووية وأن توسّع نفوذها في الشرق الأوسط.
بيد أنَّ الاختلافات تبدأ مع ذلك عند السؤال عن كيفية تحقيق هذا الهدف وما هي المخاطر التي يجب تقبّلها.
وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية برئاسة ترامب، تكمن الأولوية قبل كل شيء في التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران. وتسعى واشنطن لتحقيق هذا الهدف من خلال استراتيجية “الضغط الأقصى”، التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية والردع العسكري.
وفي المقابل لا تولي إسرائيل للاتفاق مع طهران أهمية كبيرة، وتشكّك أساسًا في قابلية تطبيقه. ومن وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، لا تكمن المشكلة فقط في مضمون الاتفاق المحتمل وحده، بل أيضًا في افتراض التزام إيران بالاتفاقيات على المدى الطويل.
الاستراتيجية الأمريكية: الضغط كوسيلة للتفاوض
ترى شكرية برادوست، محللة السياسات الخارجية والأمن في الشرق الأوسط، أنَّ السياسة الأمريكية تجاه إيران تتجه بوضوح نحو التوصل لاتفاق جديد. وفي هذا الصدد قالت الخبيرة برادوست المقيمة في واشنطن، في حوار مع DW: “لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تراهن واشنطن على عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وبشكل خاص على مبيعات النفط الإيراني”. وذلك بهدف تجفيف مصادر دخل النظام الإيراني بشكل منهجي وحرمانه من أية “فرصة لاستعادة أنفاسه” الاقتصادية. وهذه السياسة تهدف إلى دفع إيران إلى الاستسلام أو على الأقل إلى تقديم تنازلات واسعة النطاق من دون إشعال حرب إقليمية كبرى.
والوسائل العسكرية تلعب دورًا داعمًا في هذه الاستراتيجية. ويعمل نشر حاملات الطائرات في الشرق الأوسط والتركيز على الخيارات العسكرية كعامل رادع في المقام الأول. ومع أنَّ ترامب قد تكهّن علنًا باحتمال “تغيير النظام”، إلا أنَّ القيام بضربة عسكرية واسعة النطاق يعد فقط الخيار الأخير بالنسبة لواشنطن، بحسب الخبيرة برادوست. فالولايات المتحدة الأمريكية ترفض الحروب طويلة الأمد واحتلال إيران، ولا تتّبع – بحسب رأيها – خطة محددة لتغيير السلطة بالقوة.
وجهة نظر إسرائيل: ضغط زمني ومطالب شاملة
ومن جانبها تقيّم إسرائيل الوضع بشكل أكثر تشددًا. فقد أكد نتنياهو يوم الأحد الماضي في كلمة ألقاها في مؤتمر بالقدس على أنَّ أي اتفاق مع إيران يجب أن ينص على تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية ونزع اليورانيوم المخصب، وليس فقط تقييد تخصيب اليورانيوم.
وكذلك أعلنت إسرائيل أنَّ مفاوضات الولايات المتحدة الأمريكية مع الإيرانيين يجب أن تتناول موضوع الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعم إيران لوكلائها الإقليميين.
وقال نتنياهو في المؤتمر السنوي لرؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى: “يجب ألا تكون لدى إيران أية قدرة على التخصيب على الإطلاق – ليس فقط لوقف التخصيب، بل لتفكيك المعدات والبنية التحتية التي تمكّن إيران أصلًا من التخصيب”. وأضاف نتنياهو أنَّه “يشك” في أنَّ الإيرانيين سيلتزمون بأي اتفاق مع ترامب.
وبينما تراهن واشنطن على زيادة الضغط بشكل تدريجي، تصر إسرائيل على اتخاذ قرار سريع. إذ يخشى نتنياهو من أن يؤدي أي تغيير محتمل في المسار في ظل إدارات أمريكية مستقبلية إلى تعزيز موقف إيران من جديد. ولذلك تريد إسرائيل تدخلًا أمريكيًا أكثر حزمًا ومباشرة، وإذا لزم الأمر عسكريًا أيضًا.
مصالح سياسية واستراتيجية جانبية
يجب النظر إلى هذه الاختلافات أيضًا في سياق أوسع. فزيارات نتنياهو إلى واشنطن لا تهدف فقط إلى العمل على مواجهة إيران، بل تخدم أيضًا تحسين صورة إسرائيل على المستوى الدولي. وبحسب الخبير رضا طالبي فقد تضررت سمعة إسرائيل الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، “مما يقلل أيضًا من استعداد واشنطن لتقديم دعم غير مشروط لعمل عسكري إسرائيلي شامل ضد إيران”، كما قال الخبير طالبي لـDW.
ويضاف إلى ذلك أنَّ الاستقرار الإقليمي والعالمي يلعب دورًا أكبر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. ولذلك ينبغي على واشنطن ألا تضع في اعتبارها إسرائيل وحلفاءها الأوروبيين فقط، بل كذلك أيضا أسواق الطاقة وخطر حدوث تصعيد إقليمي. والتوصل لاتفاق محدود مع إيران يمكن من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية أن يتيح بعض الوقت ويؤدي إلى تجنب وقوع صراعات أوسع، حتى وإن لم يؤد إلى إزالة جميع مخاوف إسرائيل الأمنية.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عبده جميل المخلافي
Source link



